أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز القصر في الحضر، ولا يجوز القصر إلا في الظهر والعصر والعشاء الآخرة. [1]
واختلفوا في حكم القصر: فذهب مالك في المشهور عنه والشافعي وأحمد إلى جواز الإتمام، وإلى أن القصر أفضل من الإتمام، وقد كره جماعة منهم الإتمام، حتى قال مالك: من أَتَمَّ في السَّفر فعليه الإعادة في الوقت.
وذهب أبو حنيفة والثوري إلى وجوب القصر، ونصر هذا القول ابن حزم. لكن قال الأحناف: إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة، وإلا لم تصح. [2]
واستدل الجمهور على عدم وجوب القصر بأدلة: منها قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} قال الشافعي: ولا يستعمل «لا جناح» إلا في المباح.
واحتجوا من السنة بحديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم» . [3]
واستدل الموجبون للقصر، بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليه في أسفاره، وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «الصَّلاَةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ» . [4] وبما رواه ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صَلاَةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ» . [5]
وبقول عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «صَلاَةُ الأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلاَةُ الفِطر رَكْعَتَانِ، وَصَلاَةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلاَةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم وقد خَابَ من افْتَرَى» . [6]
وللفريقين أدلة أخرى وردود يرجع إليها في موضعها من كتب الفروع.
(1) الإجماع لابن المنذر: 1/ 39، المجموع 4/ 273.
(2) المجموع: 4/ 283، المغني: 2/ 54، المحلى: 4/ 264، التمهيد: 11/ 175، المبسوط للسرخسي: 1/ 240.
(3) رواه البيهقي في الصغرى: 596، والدارقطني: 2/ 189، وقال: إسناده صحيح. وحسَّنه النووي وأحمد شاكر، وأعلَّه الحافظ في (بلوغ المرام ص: 85) ، وقال شيخ الإسلام: هذا حديث كذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) رواه البخاري: 1040، ومسلم: 1/ 478.
(5) رواه الطبراني في الأوسط: 7846. وذكره ابن حزم بسنده واحتجَّ به، ثم قال: وصحَّ أنَّ صلاة السفر ركعتان.
(6) رواه ابن خزيمة في صحيحه: 1425.