فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 471

أولها، وهذه حقيقة لا جدال فيها، ولقد قال الله لنا آمرا وموجها: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام: 11] .

والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر ودراسة التاريخ، ولمعرفة سنن الله التي لا تتغير، ورؤية مصارع الطغاة، من المكذبين والمستهترين، وقد آخذ الله من قبلنا أمما كانت أشد منا قوة، وأكثر تمكينًا، وثراء ورخاء، لكنهم استكبروا وبغوا وظلموا، فكانت العاقبة الأليمة. قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت: 15] .

إن مساحة ضخمة في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ الأمم، تدور حول عاقبة الظلم والظالمين، والطغاة، والمستكبرين، وتكشف عن حقيقة هذه القضية لما لها من خطر على مستقبل الشعوب ومصير الأمم. يقول الحق سبحانه: (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) [العلق: 6 - 8] .، ويقول: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ) [الأنبياء: 11] .

ولقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن عاقبة هذا التهور، ونهاية هذا الظلم فقال: «إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته» ، ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102] . متفق عليه.

ولقد حدثنا الحق تبارك وتعالى عن مواقف فرعون المخزية فقال: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4] .

لقد بغى وطغى على بنى إسرائيل، واستطال بجبروت الحكم والسلطان، كما بغى قارون بجبروت العلم والمال، وكانت النهاية واحدة: هذا خسف به وبداره، وذاك أخذه أليم هو وجنوده؛ لقد بلغ السفه به بل الجنون: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات:24] ، وقال: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) [غافر: 29 [، وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38] ، عند ذلك تدخلت القدرة الإلهية، فوضعت حدا للبغي والفساد، حين عجز الناس عن صد التيار الجارف العنيف، تدخلت القدرة الإلهية سافرة متحدية، (وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) [الأنعام: 4] .

إن القدر الأعلى الذي يرعى هذا الكون ويدبره دائما للظالمين بالمرصاد: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 227] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت