فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 471

قَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي هَذِه الآيَةِ:"مَنِ اتَّخَذَ الكُفَّارَ أعْوَانًا، وأنْصَارًا، وظُهُورًا يِوَالِيْهِم عَلَى دِيْنِهم، ويُظَاهِرُهُم عَلَى المُسْلِمِيْنَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيءٍ، أي: قَدْ بَرِيءَ مِنَ اللهِ، وبَرِيءَ اللهُ مِنْه بارْتِدَادِه، ودُخُوْلِه فِي الكُفْرِ،"إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة"أي: إلاَّ أنْ تَكُوْنُوا فِي سُلْطَانِهم فَتَخَافُوْهُم عَلَى أنْفُسِكِم، فَتُظْهِرُوا لَهُم الوَلايَةَ بألْسِنَتِكم، وتُضْمِرُوا العَدَاوَةَ، ولا تُشَايِعُوْهُم عَلَى مَا هُمْ عَلَيه مِنَ الكُفْرِ، ولا تُعِيْنُوْهُم عَلَى مُسْلِمٍ بِفِعْلٍ".

وما ذَكَرَهُ ابنُ جَرِيْرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مِنْ كُفْرِ مَنْ يَقَعُ فِي هَذِه المُوَالاةِ، وخُرُوجِه مِنْ دَائِرَةِ الإسْلامِ، هُوَ مِنَ المَسَائِلِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ (سَلَفًا وخَلَفًا) ، مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ، ولا نَعْلَمُ لَهُم مُخَالِفًا، فالقَضِيَّةُ إذَنْ قَبْلَ أنْ تَكُوْنَ (وَلاءً، وبَرَاءً) ، فَهِي: (إسْلامٌ، وكُفْرٌ) ، فالأمْرُ جِدُّ خَطِيْرٌ!

فالَّذِي أبَاحَهُ لَنَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: هُوَ عَدَمُ إظْهَارِ العَدَاوَةِ للكُفَّارِ حَالَ ضَعْفِنَا لأنَّهُ شَيءٌ، والمُوَالاةُ شَيءٌ آخَرُ، لِذَا جَازَ لَنَا أنْ نَتَّقِيْهِم بقُلُوْبِنَا، وذَلِكَ بعَدَمِ إظْهَارِ العَدَاوَةِ لَهُم لضَعْفِنَا، وشِدَّةِ بأسِهِم ... والحَالَةُ هَذِه إذا كَانَ حَرَامٌ عَلَيْنا مُوَلاتُهُم ولَوْ بالقَلْبِ؛ ... فَكَيْفَ بالتَّعَاوُنِ مَعَهُم، لا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى!، ولَكِنْ عَلَى حَرْبِ الإسْلامِ، والمُسْلِمِيْنَ؟!، هَذَا واللهِ هُوَ: الكُفْرُ البَوَاحُ الَّذِي لَنَا فِيْه بُرْهَانٌ مُبِيْنٌ، وهُوَ مَا وَقَعَ فِيْه بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامِ عِنْدَ مُنَاصَرَتِهِم لإمْرِيْكا وحُلَفَائِها ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ والعِرَاقِ!

يَقُوْلُ ابنُ حَزْمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:"صَحَّ أنَّ قَوْلَه تَعَالَى"ومن يتولهم منكم فإنه منهم" [المائدة51] ، إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِه؛ بأنَّه كَافِرٌ مِنْ جُمْلَةِ الكُفَّارِ فَقَطُ، وهَذَا حَقٌّ لا يَخْتَلِفُ فِيْه اثْنَانِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ".

وهَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يُقَرِّرُ نَوَاقِضَ الإسْلامِ بِقَوْلِه:"النَّاقِضُ الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِيْنَ، ومُعَاوَنَتُهم عَلَى المُسْلِمِيْنَ ...".

وقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيْزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي (فَتَاوِيْه) :"وقَدْ أجْمَعَ عُلَمَاءُ الإسْلامِ عَلَى أنَّ مَنْ ظَاهَرَ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِيْنَ، وسَاعَدَهُم عَلَيْهم بأيِّ نَوْعٍ مِنَ المُسَاعَدَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُم، كَمَا قَالَ سُبْحَانَه:"ياأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم" [المائدة51] ، انْتَهَى."

لقد أصْبَحَ المُسْلِمُوْنَ هذه الأيام أيَادِي سَبَأ: مِنْ بِلادٍ وَاحِدَةٍ إلى دُوَيْلاتٍ، ومِنْ خِلافَةٍ إلى خِلافَاتٍ!، فَعِنْدَ هَذَا كَانَتْ قَضِيَّةُ (المُوَالاةِ والمُعَادَاةِ) عِنْدَ أكْثَرِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامَ؛ مَحَلَّ نَظَرٍ ومُرَاجَعَةٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَطَرٍ مُتَفَاقِمٍ قَدْ يَدْفَعُ بالأمَّةِ إلى مَهَاوِيَ لا قَرَارَ لَها، فَوَاجِبُ المُسْلِمِيْنَ أنْ يَأخُذُوْا حِذْرَهُم مِنْ نَفَثَاتِ الإعْلامِيِّيْنَ، وإرْجَافَاتِ المُتَهَالِكِيْنَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبَابِ الَّتِي أوْصَلَتَنا إلى مَا نَحْنُ فِيْه مِنْ ذِلَّهٍ، ومَهَانَةٍ، وقَطِيْعَةٍ.

أمَّا صُوَرُ المُوَلاةِ للْكُفَّارِ فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا؛ لا تَنْتَهِي إلى حَدٍّ مُسَمَّى، فمِنْها مَا هُوَ كُفْرٌ، ومِنْها مَا هُوَ دُوْنَ ذَلِكَ، فَمِنْ الكُفْرِ ما يَلِي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت