وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة"الدين".. وإنه مجرد"عقيدة"في الضمير، لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة. ومن ثم يكون الجهاد للدين، جهادًا لفرض العقيدة على الضمير!
ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام، فالإسلام منهج الله للحياة البشرية، وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام. أما العقيدة فأمر موكول إلى حرية الاقتناع، في ظل النظام العام، بعد رفع جميع المؤثرات .. ومن ثم يختلف الأمر من أساسه، وتصبح له صورة جديدة كاملة
وحيثما وجد التجمع الإسلامي، الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي، فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام، مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان، فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد، فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ، مسألة مقتضيات الحركة لا مسألة عقيدة .. وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة، في المراحل التاريخية المتجددة، ولا نخلط بين دلالتها المرحلية، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل
التاسع لا تخافوهم فلا يجوز الخوف إلا من الله تعالى
لا تخافوهم
الحمد لله تعالى , نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
الموضوع الذي أردتُ أن أحدثكم عنه , موضوع خطر في بالي وأنا أتأمل آية من كتاب الله تبارك وتعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين} . فأنت ترى في هذه الآية المحكمة أن الله سبحانه وتعالى بين أن الشيطان يخوفنا من أوليائه , وأولياؤه هم اليهود والنصارى والكفار والمنافقون و أهل الضلال؛ ثم يقول الله سبحانه وتعالى {فلا تخافوهم} وهذا نهي يقتضي التحريم , لأن نواهي ربنا تعالى مبناها على التحريم , فما نهى عنه فهو حرام , وما أمر به فهو واجب , إلا إذا وجد قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة , أو تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. والقرينة في الآية تدل على أن النهي للتحريم , لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فلا تخافوهم وخافوني} فجعل خوفه سبحانه هو المطلوب (وخوف الله تعالى واجب) وجعل نقيض خوفه أن يخاف الإنسان من المخلوق. فكأن قلب الإنسان إن سكنه خوف الله زال عنه خوف المخلوق , وإن خلا من خوف الله تعالى أصبح الإنسان يخاف من كل شيء: يخاف من المخلوقات , ليس فقط من الشيطان وأوليائه بل يخاف من النجوم ويخاف من الأمطار ويخاف من العواصف ويخاف من البحار. ولذلك المشركون عبدوا آلهة شتى , عبدوا الشمس والحجر والقمر والأفلاك. لماذا عبدوها؟ لأنهم خافوها ولم يخافوا الله عز وجل. وأيضا ختم الله الآية بقوله إن كنتم مؤمنين). و (إن) هنا كما يقول العلماء