طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد ; وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها ; ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى , التي تربط البشرية جميعا. . وهكذا عاش اليهود في عزلة , يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة ; ويتربصون بالبشرية الدوائر ; ويكنون للناس البغضاء , ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن , ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتنا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض , وحروبا يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم , ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفىء , وهلاكا يسلطونه على الناس , ويسلطه عليهم الناس. . وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: (بغيا. . أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) . . (وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم) . . وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام. كانوا يقولون (نؤمن بما أنزل علينا) . ففيه الكفاية , وهو وحده الحق , ثم يكفرون بما وراءه. سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام , وما جاءهم به محمد خاتم النبيين. والقرآن يعجب من موقفهم هذا , ومن كفرهم بما وراء الذي معهم (وهو الحق مصدقا لما معهم) . . وما لهم وللحق ? وما لهم أن يكون مصدقا لما معهم! ما داموا لم يستأثروا هم به ? إنهم يعبدون أنفسهم , ويتعبدون لعصبيتهم. لا بل إنهم ليعبدون هواهم , فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به
-محاولة اليهود اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اجمعوا لي من كان ها هنا من يهود ) )فجمعوا له.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ ) ).
قالوا: نعم يا أبا القاسم.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أبوكم؟ ) )
قالوا: أبونا فلان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كذبتم بل أبوكم فلان ) ).
قالوا: صدقت وبررت.
فقال: (( هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم عنه؟ ) ).
قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أهل النار؟ ) ).
فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والله لا نخلفكم فيها أبدًا ) ).
ثم قال لهم: (( هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم؟ ) ).
فقالوا: نعم يا أبا القاسم.
فقال: (( هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ ) ).
فقالوا: نعم.