حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع! فما الجهاد اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم ; وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام!
أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من آلات الحرب واستخدامها , فأنتم أحق بها وأهلها!""
إن دعوة الإسلام إلى التوحيد , وعبادة الله الواحد , لم تكن قضية كلامية. أو عقيدة لاهوتية فحسب. شأن غيره من النحل والملل ; بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي [] أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية ; واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة. فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان ; ومنهم من استأثر بالملك والإمرة , وتحكم في رقاب الناس ; ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض ; وجعل الناس عالة عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به. .
فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعًا وتستأصل شأفتهم استئصالًا. . وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرًا وعلانية ; وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم ; وينقادوا لجبروتهم ; مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم ; أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها ; فقالوا:
(ما علمت لكم من إله غيري) . .
و (وأنا ربكم الأعلى) . .
و (أنا أحيي وأميت) . .
و (من أشد منا قوة ?) . .
إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغيًا وعدوانًا. وطورا استغلوا جهل الدهماء وسفههم , فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة , يدعون الناس ويريدونهم علىداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها , يلعبون بعقول الناس , ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم لا يشعرون! فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد , وإخلاص العبادة لله الواحد الأحد , وتنديده بالكفر والشرك بالله , واجتناب الأوثان والطواغيت. . كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها , والذين يجدون فيها سندًا لهم , وعونًا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم. .
ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة , وخاطبهم قائلًا: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . .
قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره , وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلمًا وعدوانًا. . خرجت تقاومه , وتضع في سبيل الدعوة العقبات. وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية , أو شرح لمسألة من مسائل الإلهيات وإنما كانت نداء لانقلاب اجتماعي عالمي , ما كانت بوادره لتخفى على المستأثرين بمناصب العز والجاه , المستبدين بمنابع الثراء , ممن يشمون رائحة الاضطراب السياسي قبل حدوثه بأعوام!