إن القرآن يعالج نفوسا بشرية ; ويهدف الى استجاشة عناصر الخير والمروءة والعزة فيها ; وإلى مطاردة عوامل الضعف والشح والحرص والثقلة. .
لذلك يرسم هذا المشهد. .
إنه يصور حقيقة. ولكنه يستخدم هذه الحقيقة في موضعها أحسن استخدام , في علاج النفس البشرية. .
ومشهد الاحتضار بذاته مشهد ترتجف له النفس البشرية , وتتحفز لتصور ما فيه. وإظهار الملائكة في المشهد يزيد النفس ارتجافا وتحفزا وحساسية.
وهم - القاعدون - ظلموا أنفسهم. وقد حضرت الملائكة لتتوفاهم وهذا حالهم. .
ظالمي أنفسهم. وهذا وحده كفيل بتحريك النفس وارتجافها. إذ يكفي أن يتصور المرء نفسه والملائكة تتوفاه وهو ظالم لنفسه ; وليس أمامه من فرصة أخرى لإنصاف نفسه , فهذه هي اللحظة الأخيرة.
ولكن الملائكة لا يتوفونهم - ظالمي أنفسهم - في صمت. بل يقلبون ماضيهم , ويستنكرون أمرهم! ويسألونهم: فيم أضاعوا أيامهم ولياليهم ? وماذا كان شغلهم وهمهم في الدنيا:
(قالوا: فيم كنتم ?) . .
فإن ما كانوا فيه ضياع في ضياع ; كأن لم يكن لهم شغل إلا هذا الضياع!
ويجيب هؤلاء المحتضرون , في لحظة الاحتضار , على هذا الاستنكار , جوابا كله مذلة , ويحسبونه معذرة على ما فيه من مذلة.
(قالوا: كنا مستضعفين في الأرض) . .
كنا مستضعفين. يستضعفنا الأقوياء. كنا أذلاء في الأرض لا نملك من أمرنا شيئا.
وعلى كل ما في هذا الرد من مهانة تدعو إلى الزراية ; وتنفر كل نفس من أن يكون هذا موقفها في لحظة الاحتضار , بعد أن يكون هذا موقفها طوال الحياة. .
فإن الملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم. بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة ; ويؤنبونهم على عدم المحاولة , والفرصة قائمة:
(قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ?!) . .
إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم - إذن - على قبول الذل والهوان والاستضعاف , والفتنة عن الإيمان. .
إنما كان هناك شيء آخر. .
حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر , وهناك دار الإسلام. ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة. والهجرة إليها مستطاعة ; مع احتمال الآلام والتضحيات.
وهنا ينهي المشهد المؤثر , بذكر النهاية المخيفة:
فأولئك مأواهم جهنم , وساءت مصيرًا. .
ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر ; والتعرض للفتنة في الدين ; والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف , والنساء والأطفال ; فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته. بسبب عذرهم البين وعجزهم عن الفرار: