إن الأمور بطبيعتها كذلك - كما أسلفنا. إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد ; إنما يتحرك ككائن عضوي , تندفع أعضاؤه , بطبيعة وجوده وتكوينه , للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه. فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا. .
ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص , ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض , فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام ; وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ; ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد:
(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . .
ولا يكون بعد هذا النذير نذير , ولا بعد هذا التحذير تحذير. .
والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة , يتحملون أمام الله - فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها - تبعة تلك الفتنة في الأرض , وتبعة هذا الفساد الكبير.
الثالث- لا يجوز الثقة بغير المسلمين مهما أبدوا من مظاهر خادعة لنا فهم قد وضعوا علينا فراعنة يسيموننا أشد أنواع العذاب بينما هؤلاء الكفار يفتحون لنا صدورهم وبلادهم لنفر بديننا إليها بزعم أنها بلاد الأمن والسعادة والكرامة وحقوق الإنسان
وما هي في حقيقة الأمر إلا بلاد حاقدة ومتآمرة على الإسلام والمسلمين
قال تعالى مبينا حقيقتهم:
1 -وعودهم كوعود الشيطان تماما
قال تعالى:
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (120) سورة النساء
فهؤلاء الشياطين سواء أكانوا من الإنس أو الجن لا يجوز تصديقهم بحال ولا الثقة بوعودهم لأنهم لا يصدقون أبدا
2-لن يرضوا عنا ما دمنا مسلمين
قال تعالى عنهم:
{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (120) سورة البقرة
فتلك هي العلة الأصيلة. ليس الذي ينقصهم هو البرهان ; وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق , وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت , ولو توددت إليهم ما توددت. .
لن يرضيهم من هذا كله شيء , إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق.