إن هذا الدين يغلب دائما عندما يصل الوعي بحقيقته وحقيقة الجاهلية إلى درجة معينة في نفوس العصبة المؤمنة في أي زمان وفي أي مكان. والخطر الحقيقي على هذا الدين ليس كامنا في أن يكون له أعداء أقوياء وأعوان مدربون، بقدر ما يمكن في أن يكون له أصدقاء سذج مخدوعون، يتحرجون في غير تحرج، ويقبلون أن يتترس أعدؤهم بلافتة خادعة من الإسلام، بينما هم يرمون الإسلام من وراء هذه اللافتة الخادعة. إن الواجب الأول للدعاة إلى هذا الدين في الأرض، أن ينزلوا تلك اللافتات الخادعة المرفوعة على الأوضاع الجاهلية، والتي تحمي هذه الأوضاع لسحق جذور هذا الدين في الأرض جميعا .. وإن نقطة البدء في أية حركة إسلامية هي تعرية الجاهلية من ردائها الزائف، وإظهارها على حقيقتها .. شركًا وكفرًا .. ووصف الناس بالوصف الذي يمثل واقعهم، كيما تواجههم الحركة الإسلامية بالطلاقة الكاملة. بل كيما ينتبه هؤلاء الناس أنفسهم إلى حقيقة ما انتهى إليه حالهم، عسى أن يوقظهم هذا التنبيه إلى تغيير ما بأنفسهم، ليغير الله ما بهم، من الشقوة والنكد والعذاب الأليم الذي هم فيه مبلسون. وكل تحرّج في غير موضعه، وكل انخداع بالأشكال والظواهر واللافتات، هو تعويق لنقطة الانطلاق الأولى لأية حركة إسلامية في الأرض جميعا. وهو تمكين لأعداء هذا الدين من مكرهم الذي أرادوه بالحرص على إقامة تلك اللافتات بعدما انكشفت حركة أتاتورك في التاريخ الحديث، وباتت عجزة عن السير خطة واحدة. بعد إلغاء آخر مظهر من مظاهر التجمع الإسلامي على أساس العقيدة، نظرًا لانكشاف وجهتها هذا الانكشاف الصريح .. مما دعا كاتبا صليبيا شديد المكر عميق الخبث مثل (ولفرد كانتول سميث) في كتابه الإسلام في التاريخ الحديث إلى محاولة تغطية حركة أتاتورك مرة أخرى، ونفي الإلحاد عنها، واعتبارها أعظم وأصحّ حركة بعث إسلامي (كذا) في التاريخ الحديث.
فما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض إلى أن يدركوا طبيعة المعركة، وحقيقة القضية، فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تستتر بها أحزاب الشرك والكفر، فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة مهما تنوعت العلل والأسباب، فتقيم القيادات الضالة المضللة أصناما تختلف أسماؤها وأشكالها، وفق النعرة السائدة في كل جاهلية. وتجمع حواليها الأتباع. وتهيج في قلوبهم الحمية لهذه الأصنام، كي توجههم من هذا الخطام إلى حيث تشاء، وتبقيهم على الضلال الذي يكفل لها الطاعة والانقياد (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) . ككل قيادة ضالة تجمع الناس حول الأصنام. أصنام الأحجار وأصنام الأشخاص، وأصنام الأفكار .. سواء الصد عن الدعوة لله .. وتوجيه القلوب بعيدًا عن الدعاة، بالمكر، والكيد والإصرار.