أ- إن القرآن الكريم هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح، وأنه هو مدرستها، التي تتلقى فيها دروس حياتها، وإن الله هو المربي. ولقد أراد الله سبحانه أن يكون هذا القرآن هو الرائد الحي الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها وإعدادها لدور القيادة الراشدة: الذي وعدها به كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن، واستعزت به، واستعلت على جميع المناهج الأرضية الجاهلية ..
إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى ولكنه دستور شامل. دستور للتربية، كما أنه دستور للحياة العملية. وقد تضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية من لدن آدم عليه السلام، وقدمها زادًا للأمة المسلمة في جميع أجيالها. تجاربها في الأنفس، وتجاربها في واقع الحياة، كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها، وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم، وذلك الرصيد المتنوع ..
إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ، وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي وينبغي أن يتدبر على أنه توجيهات حية تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم. ولتنير الطريق إلى المستقبل، لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل، أو على أنه سجل تحقيقه مضى ولن يعود .. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه، لتتلمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة، في يومنا وفي غدنا، كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها الواقعة ..
ففي هذا القرآن نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة المسلمة، وهو يصنعها على عينيه، ويربيها بمنهجه، ويشعرها برعايته، ويبني في الضمير الشعور الحي بوجوده سبحانه معها في أخص خصائصها، وأصغر شؤونها، وأخفى طواياها، وحراسته لها من كيد أعدائها خفية وظاهرة، وأخذها في حماه وكنفه وضمها إلى لوائه وظله وتربية أخلاقها وعاداتها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله، وتنتسب إليه. وتؤلف حزبه في الأرض وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعًا.
إن هذا القرآن أتى بتوجيهاته وأسسه لكي ينشأ الجماعة المسلمة الأولى. وهذه التوجيهات والأسس هي، هي ما تزال ضرورية لقيام الجماعة المسلمة في كل زمان ومكان، وإن المعركة التي خاضها القرآن، هي المعركة ذاتها التي يمكن أن يخوضها في كل زمان ومكان. لا بل إن أعداءها التقليديين الذين كانوا يواجههم القرآن، ويواجه دسائسهم وكيدهم ومكرهم .. هم هم .. ووسائلهم هي هي، تتغير أشكالها بتغير الملابسات، وتبقى حقيقتها وطبيعتها. وتحتاج الأمة المسلمة في كفاحها وتوقيها إلى توجيهات هذا القرآن، حاجة الجماعة المسلمة الأولى، كما تحتاج في بناء تصورها الصحيح، وإدراك موقفها من الكون والناس إلى ذات النصوص والتوجيهات، وتجد فيها معالم طريقها واضحة. ويظل القرآن كتاب هذه الأمة العامل في حياتها، وقائدها الحقيقي في طريقها الواقعي. ودستورها الشامل الكامل الذي تستمد منه منهج الحياة، ونظام المجتمع وقواعد التعامل في كل شيء .. وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان، لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين، ولو آمنت حقًا بهذا القرآن، وجعلته منهجًا للحياة، لا كلمات تغني باللسان لتطرب الأذان.