الصفحة 102 من 306

ولقد سلك القرآن شتى السبل، واتبع شتى الأساليب ليواجه شكوك القلب البشري وانحرافاته وآفاته، ويأخذ عليها المسالك، ويعالجها بكل أسلوب. وفي أساليب القرآن المتنوعة زاد للدعوة وللدعاة إلى هذا الدين، ويجب على الداعية أن يرجع إلى القرآن دائما. فيشعر أن ربه يؤويه إلى كنفه، ويمسح على آلامه، ومتاعبه، ويُهَدْهِدُه، ويسري عنه ويهون عليه مشقة ما يلقي من عنت الجاهلية وسوئها وتطاولها .. فيفيض الله عليه بالثقة والطمأنينة، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودّة.

إنه خطاب الله للإنسان في رحمة علوية ندية يقول للناس: خذوا هذا ودعوا ذاك. ها هو ذا طريقي فاسلكوه. لقد تعثّرت خطاكم فهاكم حبلي لقد أخطأتم وأتممتم فتوبوا وها هو ذا بابي مفتوح. تعالوا ولا تشردوا بعيدا، ولا تقنطوا من رحمتي التي وسعت كل شيء. وأنت يا فلان بذاتك وشخصك قلت كذا وهو خطأ، ونويت كذا وهو اثم. وفعلت كذا وهي خطيئة. فتعال هنا قدامي، وتطهر وَتُب، وعُد إلى حماي. وأنت يا فلان بذاتك وشخصك أَمْرك الذي يعضلك هذا حلّه .. وسؤالك الذي يشغلك هذا جوابه، وعملك الذي عملت هذا وزنه ..

فالقرآن هو المدرسة الإلهية .. إنه من صانع القلوب، وخالق كل شيء بقدر. من هذه المدرسة الإلهية يتخرج الدعاة المستحابون الموفقون .. نخلص نفوسهم لدعوة الله فلا تضن عليها بشيء .. ولا تحتجز دونها شيء. لا الأرواح ولا الأموال، ولا خلجات القلوب، ولا ذوات الصدور. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض .. موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثق في هذه الموازين ..

وإن هذا القرآن لهو الفرقان بما فيه من فارق بين الحق والباطل، والهدى والضلال. بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج. وبين عهد لبشرية وعهد .. فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير، وصورتها الممثلة في الواقع. منهجا لا يختلط بأي منهج آخر، مما عرفته البشرية، ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها فـ (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) .

إن هذا القرآن يبني عقيدة المسلم وتصوره وأخلاقه ومشاعره وأوضاعه، إلى جانب تعليم الجماعة المسلمة كل شيء عن طبيعة أعدائها ووسائلهم، ويحذر من كيدهم ومكرهم، ويوجههم إلى المعركة معهم بقلوب مطمئنة وعيون مفتوحة، وإرادات محشودة، ومعرفة بطبيعة المعركة وطبيعة الأعداء .. لقد كان في القرآن كل شيء ... وهو ما يزال فيه كل شيء، يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في كل جبهة .. يخوضها في الضمائر والمشاعر، حيث ينشأ فيها عقيدة جديدة ومعرفة بربها جديدة. وتصورا للوجود جديدا، ويقيم فيها موازين جديدة، وينشئ إليها قيما جديدة. ويستنفذ فطرتها من ركام الجاهلية. ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع، وينشئ ويبث ملامح الإسلام الوضيئة الجديدة .. ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج. وهي على أتم استعداد للقائهم والتفوق عليهم بمتانة بنائها الداخلي الجديد: الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت