الصفحة 111 من 306

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشئ في الأرض طريقها على منهج الله وحده متميزة متفردة ظاهرة. لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله لتؤدي في حياة البشرية دورًا خاصًا لا ينهض به سواها. لقد وُجدت لإقرار منهج الله في الأرض وتحققه في صورة عملية ذات معالم منظورة، تترجم فيها النصوص إلى حركات، وأعمال ومشاعر وأوضاع وارتباطات. وهي لا تحقق غاية وجودها، ولا تستقيم على طريقها ولا تنشئ في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية المتميزة إلا إذا تلقت من الله وحده. لا التلقي من أحد من البشر، ولا اتباع أحد من البشر، ولا طاعة أحد من البشر. إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف. هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات. وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة، وهو التوجيه الدائم لهذه الأمة في كل جيل من أجيالها لأنه هو قاعدة حياتها بل قاعدة وجودها.

لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية، فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله ولتقودها بمنهج الله؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن، وليس وجودها في هذه الحال من غاية .. لقد وجدت الأمة المسلمة للقيادة .. قيادة التصور الصحيح والاعتقاد الصحيح، والشعور الصحيح، والخلق الصحيح والنظام الصحيح والتنظيم الصحيح .. وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول وأن تتفتح وأن تتعرف إلى هذا الكون، وأن تعرف أسراره، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته. ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله وتسيطر على هذا كله، وتوجهه لخير البشر، لا لتهديدهم بالخراب والدمار، ولا لتسخيره في المآرب والشهوات .. ينبغي أن تكون للإيمان، وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة مهتدية فيها بتوجيه الله، لا بتوجيه أحد من عبيد الله. وإن طاعة أهل الكتاب والكفار والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدًا في طريق النماء والارتقاء، وهو بذاته دبيب الكفر في النفس وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت