إن الله تبارك وتعالى يحرض المؤمنين على التجرد له والاتجاه إلى نصرة نهجه في الحياة ويعدهم على هذا النصر والتثبيت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) .. وكيف ينصر المؤمنون الله، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت؟ إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئا، شركا ظاهرا أو خفيا، وألا تستبقي فيها معه أحد ولا شيئا، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها وسرها وعلانيتها ونشاطها كله وخلجاتها. فهذا نصر الله في ذوات النفوس. وإن لله شريعة ومنهاجا للحياة تقوم على قواعد وموزاين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة. ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء فهذا نصر الله في واقع الحياة ..
وإنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين وتمثلت في واقع حياتهم منهجا للحياة ونظاما للحكم وتجردا لله في كل خاطرة وحركة وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا .. وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها .. ونحن نقرر في ثقة بوعد الله لا يخالجها شك أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان -إما في الشعور وإما في العمل- ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله، وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة- وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ثم يعود النصر للمؤمنين- حين يوجدون ..