فهناك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق .. شهداء في سبيل الله. قتلى أعزاء وأحباء. قتلى كراما أزكياء. فالذين يخرجون في سبيل الله والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس .. هؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا .. إنهم أحياء فلا يجوز أن يقال عنهم أموات .. لا يجوز أن يعتبروا أمواتا في الحس والشعور. ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان. إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه. فهم لا بد أحياء .. إنهم قتلوا في ظاهر الأمر وحسبما ترى العين. ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة .. إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد. وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع .. وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعلية مؤثرة. والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد. وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد فيهم ما يزالون عنصرا فعالا دافعا مؤثرا في تكييف الحياة وتوجيهها. وهذه هي صفة الحياة الأولى فهم أحياء أولا بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس ثم هم أحياء عند ربهم باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه، وحسبنا اخبار الله تعالى به (أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) .. لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود .. ولكنهم أحياء .. أحياء .. ومن ثم لا يغسلون كما يغسل الموتى ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها. فالغسل تطهير للجسد الميت. وهم أطهار بما فيهم من حياة، وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء .. أحياء فلا يشق قتلهم على الأهل والأحباء والأصدقاء. أحباء يشاركون في حياة الأهل والأحباء والأصدقاء .. أحياء فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم ولا يتعاظمها الأمر ولا يهولنها عظم الفداء .. ثم هم من بعد كونهم أحياء مكرمون عند الله .. مأجورون أكرم الأجر وأوفاه ..
في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش. فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا. فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا: قالوا نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون) ..
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة (أخرجه مالك والشيخان) . ويقول الله تبارك وتعالى (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) وقد ورد حديث عن تعريف الله الجنة للشهداء رواه الإمام أحمد في مسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ويحلى حلة الإيمان) ..