نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لينشئ به أمة وليقيم به دولة، ولينظم به مجتمعا، وليربي به ضمائرا وأخلاقا وعقولا .. لقد كانت الأمة تتلقى هذا القرآن، لتقرر وفق توجيهاته وتقريراته خطتها وحركتها .. ولتتخذ وفق توجيهاته مواقفها من الناس جميعا. فقد كان هذا الكتاب هو موجهها ومحركها ومرشدها. ومن ثم كانت تغلب ولا تُغلب، لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربانية المباشرة. وهذه القيادة الربانية وإرشاداتها ما تزال. والذين يحملون دعوة الإسلام اليوم وغدًا خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإرشادات كأنهم يخاطبون بها اللحظة، ليقرروا على ضوئها موقفهم من شتى طوائف الناس. ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء، ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القوانين والموازين. اليوم وغدا وإلى آخر الزمان ..
وإن الله الذي أخرج هذه الأمة وجعلها خير أمة أرجت للناس كان يعدّها لأمر عظيم هائل. كان يعدها لحمل أمانة منهجه في الأرض لتستقيم عليه، كما لم تستقم أمة قط. ولتقيمه في حياة الناس كما لم يقم كذلك قط. ولم يكن بد أن تُراض هذه الأمة رياضة طويلة. رياضة تخلعها أولًا من جاهليتها. وترفعها من سفح الجاهلية الهابط وتمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد إلى قمة الإسلام الشامخة، ثم تعكف بعد ذلك على تنقية تصوراتها، وعاداتها ومشاعرها من رواسب الجاهلية. وتربية إرادتها على حمل الحق وتبعاته. ثم تنتهي بها إلى تقييم الحياة جملة وتفصيلا وفق قيم الإسلام في ميزان الله. حتى تكون ربانية حقًا، وحتى ترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم. فتزن النفس بميزان الله، فحين ينتفش الباطل فيراه الناس رابيا، وتؤخذ الأعين بمظهره وكثرته وقوته .. ثم ينظر المؤمن الذي يزن بميزان الله إلى هذا الباطل المنتفش، فلا تضطرب يده، ولا يزوغ بصره، ولا يختل ميزانه. إنما هو الحق. الحق المجرد، إلا من صفته وذاته، وإلا من ثقله في ميزان الله وثباته.
لقد ربّى الله هذه الأمة بمنهج القرآن حتى وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله. لا في نفوسها وضمائرها فحسب، ولكن في حياتها ومعاشها في هذه الأرض، بكل ما يضطرب في هذه الحياة من رغبات ومطامع، وأهواء ومشارب، وتصادم بين المصالح، وجعلها كلها حزمة واحدة تؤدي دورا في النهاية، هو إعداد هذه الأمة بعقيدتها وتصوراتها وبمشاعرها واستجاباتها وبسلوكها وأخلاقها وبشريعتها ونظامها، لأن تقوم على دين الله في الأرض ولأن تتولى القوامة على البشر.
وحقق الله ما يريد بهذه الأمة والله غالب على أمره، وقامت في واقع الحياة الأرضية تلك الصورة الوضيئة من دين الله في واقع، وتملك البشرية أن تترسّمه في كل وقت حين تجاهد لبلوغه فيعينها الله ..