ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها وتسمع توجيهاته، وتقيم قواعد وتشريعاته في حياتها ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها، وحين اتخذت القرآن مهجورا وإن كان تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقي وأدعية، أصابها ما أصابها. فلقد غفلت الأمة عن هذا القرآن فسارت في طريق غير هذا الطريق. نزع منها قيادة البشرية، وتركها هكذا ذيلا للقافلة. فلنعد إلى هذا القرآن الذي يصفه الله لنا (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) . ما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة والجاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية والويلات .. من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون .. ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام في فترة من تاريخنا ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا. وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا .. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا في ظل القرآن حين نتبع رضوانه ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا.
وأخيرا إن هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك. وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول، وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها، وعلى المشاعر طرقها، وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزا لا تبقى معه على قرار .. لذلك ينبغي أن يكون هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه. والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس، وكيف يوقظون القلوب الغافلة وكيف يحيون الأرواح الخامدة. إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله. خالق هذا الإنسان العليم بطبيعة تكوينه، الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها .. وكما أن الدعاة إلى الله يجب أن يتبعوا منهج الله في البدء بتقرير ألوهية الله سبحانه وربوبيته وحاكميته وسلطانه. فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق كيما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده والاعتراف بربوبيته المتفردة وسلطانه.