إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان. فالذي يسلب إنسانا حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء .. ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة .. لذلك إن الله تبارك وتعالى يوضح طريق المؤمنين وهم يحملون هذا التصور. ويقومون بهذه الدعوة وينهضون بواجب القيادة للبشرية الضالة الضائعة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .
إن قضية العقيدة كما جاء بها هذا الدين قضية اقتناع بعد البيان والإدراك. وليست قضية إكراه وغضب وإجبار .. ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته. يخاطب العقل المفكر والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل، كما يخاطب الفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله والإدراك البشري بكل جوانبه، وفي غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجيء مشاهدها إلجاء إلى الإذعان. ولكن وعيه لا يتدبرها، وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك .. وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة، فهو من باب أولى لا يواجه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر، والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع .. وهكذا أعلن الإسلام هذا المبدأ العظيم الكبير، وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره. وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه. وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني. التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب معتسفة ونظم مذلة لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله باختياره لعقيدته -أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها. فإما أن يعتنق مذهب الدولة -وهو يحرمه من الإيمان باله للكون يصرف هذا الكون- وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب ... والإسلام هو أرقى تصور للوجود والحياة وأقوم منهج للمجتمع الإنسان بلا مراء، هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضا بسلطان الدولة، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة .. ويجب أن نضع هذه القاعدة الكبرى التي يقررها الإسلام (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) نضع هذه القاعدة إلى جوار فرضية الجهاد في الإسلام، والمواقع التي خاضها الإسلام. وقوله تبارك وتعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) ..
إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض فيزعمون أنه فرض بالسيف في الوقت الذي قرر فيه: أن لا إكراه في الدين .. أم بعضهم الآخر فيتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة، وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد، ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره، ويوحي إلى المسلمين بطريق ملتوية ناعمة ماكرة أن لا ضرورة اليوم أو غدا للاستعانة بهذه الأداة.