الصفحة 57 من 306

1 -إن السمة الرئيسية للدعوة الإسلامية هي الواقعية الجدية في هذا الدين، فهو حركة تواجه واقعا بشريا وتواجه وجودًا واقعيًا. إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية تسندها سلطات ذات قوة مادية. لذلك يجب أن تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعيدهم لغير ربهم الجليل ..

إن الدعوة الإسلامية لا تكفي بالبيان في وجه السلطان المادي، كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد ولكن طبيعتها هي الواقعية الحركية، فهي حركة ذات مراحل، لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها. فالدين الإسلامي لا يقابل الواقع بنظريات مجردة، كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة ..

والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي. فيتبين للدعاة أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة، بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور والخلق والسلوك، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإنساني. وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور بين منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده لا شريك له، والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر والآلهة المدعاة وللأرباب المتفرقة. ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة، لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الآخرى، ومتصادمة معها تمامًا في مثل هذين المنهجين وفي مثل هذين النظامين ..

وليدرك الدعاة أنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله في مكة، ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة، ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة، وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة الإسلامية في المدينة على أساس هذه العقيدة، وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد، وكذلك لنعلم أنها لم تكن فلتة عابرة أن يقف النصارى لهذه الدعوة منذ ذلك الحين إلى آخر الزمان .. إنها طبائع الأشياء .. إنها أولا طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا أصحاب المناهج الأخرى طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين الناس كافة وبين حرية الاختيار الحقيقية .. ثم أنها طبيعة التعارض بين منهجين للحياة، لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة، وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم. فهي حتمية لا اختيار فيها في الحقيقة لهؤلاء ولا هؤلاء .. وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن، وعلى مدى التجارب، وتتجلى في صور شتى تؤكد وتعمق أصلها في هذا المنهج الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت