وأخيرًا فإن الناس ما كانوا ليخرجوا من الجاهلية الوثنية بكلياتهم حتى تكون العقيدة وحدها هي قاعدة تجمعهم. ذلك أن الدينونة لله وحده لا تتم تمامها إلا بقيام هذه القاعدة في تصورهم وفي تجمعهم ... يجب أن تكون هناك قداسة واحدة لمقدس واحد، وألا تتعدد المقدسات، ويجب أن يكون هناك شعار واحد وألا تتعدد الشعارات، ويجب أن تكون هناك قبلة واحدة يتجه إليها الناس بكلياتهم بألا تتعدد القبلات والمتجهات .. إن الوثنية ليست صورة واحدة هي وثنية الأصنام الحجرية والآلهة الأسطورية. إن الوثنية يمكن أن تتمثل في صور شتى، كما أن الأصنام يمكن أن تتخذ صورا متعددة، وآلهة الأساطير يمكن أن تتمثل مرة أخرى في المقدسات والمعبودات من دون الله أيا كانت أسماؤها، وأيا كانت مراسمها. وما كان الإسلام ليخلص من الأصنام الحجرية والأرباب الأسطورية، ثم يرضى لهم بعد ذلك أصنام الجنسيات والقوميات والأوطان .. وما إليها .. يتقاتل الناس تحت راياتها وشعاراتها. وهو يدعوهم إلى الله وحده، وإلى الدينونة له دون شيء من خلقه. لذلك قسم الإسلام الناس إلى أمتين اثنتين على مدار التاريخ البشري .. أمة المسلمين من أتباع الرسل -كل في زمانه حتى يأتي الرسول الأخير إلى الناس كافة- وأمة غير المسلمين من عبدة الطواغيت والأصنام في شتى الصور والأشكال على مدار القرون .. وعندما أراد الله أن يعرف المسلمين بأمتهم التي تجمعهم على مدار القرون، عرفها لهم في صورة أتباع الرسل -كل في زمانه- وقال لهم في نهاية استعراض أجيال هذه الأمة: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) .. ولم يقل للعرب: إن أمتكم هي الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها سواء. ولا قال لليهود: إن أمتكم هي بنو إسرائيل أو العبرانيون في جاهليتهم وإسلامهم سواء. ولا قال لسلمان الفارسي: إن أمتك هي أمة فارس ولا لصهيب الرومي: إن أمتك هي الرومان. ولا لبلال الحبشي: إن أمتك هي الحبشة. إنما قال للمسلمين من العرب والفرس والروم والحبش: إن أمتكم هي المسلمون الذين أسلموا حقًا على أيام موسى وهارون، وإبراهيم ولوط، ونوح وداود وسليمان، وأيوب، وإسماعيل وإدريس وذي الكفل، وذي النون، وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم .. كما جاء في سورة الأنبياء: (آيات 48 - 91) .. هذه هي أمة المسلمين في تعريف الله سبحانه. فمن شاء له طريقا غير طريق الله فليسلكه، ولكن ليقل: إنه ليس من المسلمين. أما نحن الذين أسلمنا لله، فلا نعرف لنا أمة إلا الأمة التي عرفها لنا الله. والله يقص الحق وهو خير الفاصلين ..
وهكذا إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ولا يعترف بقربى ولا رحم إلا إذا أنبتت وشيجة العقيدة والعمل. ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل.