الصفحة 162 من 306

الباب السادس

الزاد

لا بد من العون والزاد على تكليف الدور العظيم والاستعداد لبذل التضحيات التي يتطلبها هذا الدور، من استشهاد الشهداء ونقص الأموال والأنفس والثمرات والخوف والجوع ومكابدة أهوال الجهاد لإقرار منهج الله في الأنفس وإقراره في الأرض بين الناس. فلا بد من العون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وإن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع، والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات، الذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب مجندة القوى، يقظة للمداخل والمخارج .. ولا بد من الصبر في هذا كله .. لا بد من الصبر على الطاعات والصبر على المعاصي والصبر على المشاقين لله، والصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بعد الشقة، والصبر على انتفاش الباطل، والصبر على قلة الناصر، والصبر على طول الطريق الشائك، والصبر على التواء النفوس وخلال القلوب وثقلة العناد ومضاضة الإعراض.

وقد قيل لرسول الله (قُم) فقام وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا، لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله .. قام وظل قائمًا على دعوة الله يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ، ولا ينوء به عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشريةكلها، وعبء العقيدةكله، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية، وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية، بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة .. مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين، الحريصين على قتل هذه الغرسة الذكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمتد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء. وتظلل مساحات أكبر. لم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعد لهذه الأمة الجديدة، وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية، وفي أثناء هذا كله، لم تكن المعركة الأولى، معركة الضمير قد انتهت. فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها، وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني .. ومحمد صلى الله عليه وسلم قائم على دعوة الله هناك، وعلى المعركة في ميادينها المتفرقة، في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه، وفي جهد وكدّ والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة، وفي نصب دائم لا ينقطع وفي صبر جميل على هذا كله، وفي قيام بالليل، وفي عبادة لربه وترتيل لقرآنه، وتبتل إليه لتلقي المدد والزاد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت