16 -جدّ .. وعمل:
إن لِقلب المؤمن ما يشغله عن اللهو واللغو والهذر .. لغو القول. ولغو الفعل ولغو الاهتمام والشعور. له ما يشغله من ذكر الله وتصور جلاله .. وتدبّر آياته في الأنفس والآفاق، وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق من اللب ويشغل الفكر ويحرك الوجدان. وله ما يشغله من تكاليف العقيدة: تكاليفها في تطهير القلب وتزكية النفس وتنقية الضمير. وتكاليفها في السلوك، ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان. وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وصيانة حياته من الفساد والانحراف. وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرها. وعزتها والسهر عليها من كيد الأعداء .. وهي تكاليف لا تنتهي ولا يغفل عنها المؤمن، وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية .. وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري والطاقة البشرية محدودة. وهي إما أن تُنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها، وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو. والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى إنفاقها في البناء والتعمير والإصلاح .. ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه بين الحين والحين. ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ..
إن جو العقيدة هو جو جدّ وجزم كما أنه جو هول وروع. إن هذا الموقف موقف جدّ وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ، مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) .. إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجدّ .. فتلهو في أخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد، وتستهتر في مواطن القداسة. فالذكر الذي يأتيهم، يأتيهم (مَّن رَّبِّهِم) فيستقبلونه لاعبين. بلا وقار ولا تقديس. والنفس التي تفرغ من الجدّ والاحتفال والقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال. فلا تصلح للنهوض بعبء، ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام بتكليف. وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة. إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة .. والاستهتار غير الاحتمال. فالاحتمال قوة جادة شاعرة، والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء .. وإن اللهو ليلهي القلب ويأكل الوقت، ولا يثمر خيرًا، ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح. هذه الوظيفة التي يقرر الإسلام طبيعتها وحدودها ووسائلها ويرسم لها الطريق (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) والنص القرآني عام لتصوير نموذج من الناس، واضح السمات قائم في كل حين. وقد كان قائمًا على عهد الدعوة في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات .. (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) يشتريه بماله ويشتريه بوقته ويشتريه بحياته يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص يفني فيها عمره المحدود الذي لا يعاد ولا يعود ..