الصفحة 181 من 306

قال الله سبحانه وتعالى (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) .. إنها سنة العقائد والدعوات. لا بد من بلاء، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس. ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام .. إنه الطريق .. الطريق إلى الجنة وقد حُفت الجنة بالمكاره، بينما حُفت النار بالشهوات. ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها. طريق التربية لهذه الجماعة وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال. وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف المعروفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة. ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا، فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذًا والصبر عليها. فهم عليها مؤتمنون وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال. فلا يفطرون فيها بعد ذلك مهما تكن الأحوال وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة.

فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة وتنميها وتجمعها وتوجهها. والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى لتتأصل جذورها وتتعمق. وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم، هم أنفسهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية، ويعرفون حقيقة النفس البشرية وخباياها وحقيقة الجماعات والمجتمعات وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس، ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق ومسارب الضلال. ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لا بد فيها من خير ولا بد فيها من سر، يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون. فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها .. أفواجًا .. في نهاية المطاف .. إنها سنة الدعوات، وما يصبر على ما فيها من مشقة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في النصر، وهو يعاني الشدائد. ما يصبر على ذلك إلا أولو العزم الأقوياء (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) . وهكذا علمت الجماعة المسلمة الأولى ما ينتظرها من تضحيات وآلام وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، ولكنها سارت في الطريق ولم تتخاذل ولم تتراجع ولم تنكص على أعقابها .. لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وإن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور .. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو .. والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها تتوالى القرون والأجيال وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت