لا بد من تربية الإرادة وتأكيد الشخصية والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد. فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها. لا بد من قوة كامنة تقف أمام القوة الظاهرة الغالبة، وهذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرادة التي تضبط الشوات والنزوات وتصمد للحرمان والمشاق. وتستعلي على الضرورات والحاجات، وتؤثر الطاعة، وتتحمل تكاليفها، وتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء .. وإن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان: أن للإنسان إرادة وهدفًا وتصورًا خاصًا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة المتلقاة من الله خالق الحياة. فإذا فقد هذا كله فقد أهمّ خصائص الإنسان المميزة لجنسه وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله .. فلا بد من تحرير الإرادة لتعتاد الصمود والثبات. وإن هذا لضروري لكل من يحملون دعوة الله، ويؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض. وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء. هو أول اختبار وجّه من قبل إلى آدم وحواء .. فلم يصمدا له. واستمعا إلى إغراء الشيطان بشجرة الخلد وملك لا يبلى (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) .
ثم ظل هو الاختبار الذي لا بد أن تجتازه كل جماعة قبل أن يأذن الله لها بأمانة الاستخلاف في الأرض .. إنما يختلف شكل الابتلاء ولا تتغير فحواه.
وكثير من الناس من تهيج مطامعهم أمام الإغراء فتتهاوى عزائمهم وينسون عهدهم مع الله، فيحتالون الحيل. وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب وتقل التقوى. ويصبح التعامل مع مجرد النصوص، ويراد التفلت من ظاهر النصوص ويقولون سيغفر لنا. وإن الدراسة لهذا الدين لا تجدي ما لم تخالط القلوب. وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيدة .. إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا. ويحرفوا الكلم عن مواضعه. ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تزيد لهم عرض الحياة الدنيا، وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه ولا يأخذونه عقيدة ولا يتقون الله ولا يرهبنونه .. إن هذه الشريعة جاءت ليحكم بها، لا لتعرف وتدرس وتتحول إلى ثقافة في الكتب والدفاتر. جاءت لتتبع في كل دقة ولا يترك شيء منها. ويستبدل به حكم آخر في صغيرة من شؤون الحياة أو كبيرة .. فأما هذا وأما فهي الجاهلية والهوى .. ومتى طاشت الإرادة سيطر الهوى .. ونرى فريقًا من الناس لا يعرف حكمًا يرجع إليه إلا هواه فهو إلهه الذي يتعبده ويطيع كل ما يراه. نرى هذا الفريق من الناس مصورًا تصويرًا فذًا في القرآن وهو بعجب من أمره ويشهد بغفلته وعماه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟) ..