الصفحة 182 من 306

وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان، وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة ووسائل إيذائها في سمعتها، وفي مقوماتها، وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها. ولكن القاعدة واحدة (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) . وهكذا يكشف الله لنا تبارك وتعالى عن طبيعة الدعوة وطبيعة الأعداء الراصدين لها في الطريق، ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدًا للجماعة المسلمة كلما همّت أن تتحرك بهذه العقيدة وأن تحاول تحقيق منهج الله في الأرض. فتتجمع عليها وسائل الكيد والفتنة، ووسائل الدعاية الحديثة لتشوه أهدافها وتمزق أوصالها. يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرًا يجلو أبصارها بطبيعة هذه الدعوة وطبيعة طريقها وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق. ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك. فتعرف حين تناوشها الذئاب بالأذى وحين تعوى عليها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة .. إنها سائرة في الطريق .. وإنه هو الطريق .. ومن ثم تستبشر بالابتلاء والفتنة والأذى والادعاء الباطل عليها، وإسماعها ما يكره ويؤذي .. تستبشر بهذا كله لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها، وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق، ويبطل عندها الكيد والبلبلة، ويصغر عندها الابتلاء والأذى، وتمضي في طريقها الموعود إلى الأمل المنشود في صبر وفي تقوى وفي عزم أكيد.

ولا بد من تربية النفوس بالبلاء، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) . لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف .. والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها .. كانت أعزّ عليهم وكانوا أضنّ بها. كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها، وصبرهم على بلائها. إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرًا مما يُبتلون به وأكبر، ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه .. وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها. مقدرين لها، مندفعين إليها .. وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت