ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله .. الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الاسناد كلها وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندًا إلا سنده. وفي هذه اللحظة قد تنجلي الغشاوات وتتفتح البصيرة وينجلي الأفق على مد البصر .. لا شيء إلا الله .. لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله .. لا إرادة إلا إرادته .. لا ملجأ إلا إليه .. وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها التصور الصحيح (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) إنا لله .. وكلنا .. كل ما فينا .. كل كياننا وذاتيتنا .. لله وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير. التسليم .. التسليم المطلق، وهؤلاء ينعم عليهم الجليل بصلوات منه يرفعهم إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يُصلي عليه هو وملائكته سبحانه (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) ..
هذه هي التربية التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب، وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من البشر أجمعين .. لذلك إن الله قد وضع الابتلاء لينكشف المجاهدون ويتميزوا، وتصبح أخبارهم معروفة، ولا يقع الالتباس في الصفوف، ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين، ولا أمر الضعاف الجزعين (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) ..
والله يعلم حقائق النفوس ومعادنها ويطلع على خفاياها ويعلم ما يكون من أمرها علمه ما هو كائن فعلًا. فما هذا الابتلاء؟ ولمن يكون العلم من ورائه بما ينكشف عنه. إن الله جلّت حكمته يأخذ البشر بما هو في طوقهم، وما هو من طبيعتهم واستعدادهم. وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه. فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها ثم ينتفعوا لها. والابتلاء بالسراء والضراء وبالنعماء والبأساء وبالسعة والضيق وبالفرج والكرب .. كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها .. وإن العبد المؤمن يرجو ألا يتعرض لبلاء الله وامتحانه، ويتطلع إلى عافيته ورحمته. فإذا أصابه بلاء بعد هذا صبر له، وهو مدرك لما وراءه من حكمة، واستسلم لمشيئة الله واثقًا من حكمته متطلعًا إلى رحمته وعافيته بعد الابتلاء.