الصفحة 184 من 306

إن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به. وكذلك تصنع الفتنة في القلوب (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله سبحانه: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء. ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر، فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم، لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم، وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحدًا إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه ..

إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل .. وفيهم على حملها قدرة وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة، فهي أمانة كريمة وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس ومن ثم تحتاج إلى طرز خاص يصبر على الابتلاء.

ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة. ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان. وهذه هي الصورة البارزة للفتنة المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة ولكنها ليست أعنف صور الفتنة فهناك فتن كثيرة في صور شتى ربما كانت أمرّ وأدهى.

هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعًا، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى والهلاك.

وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتُصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة. وهو مهمل منكر، لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا. وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله، وكل من حوله غارقًا في تيار الضلالة وهو وحده موحش غريب طريد ..

وهناك فتنة من نوع آخر قد تراها بارزة في هذه الأيام فتنة أن يجد المؤمن أمما ودولًا غارقة في الرذيلة وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت