وهذه الظاهرة يقررها الله سبحانه (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) فيعلن سبحانه بهذه النصوص عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام المسلمين، وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان، وعدم توقيتها بظرف أو زمان .. فهذا قانون حتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية، قانون يجب أن يقف أمامه الدعاة طويلا، فيفسرون الظواهر التي تنشأ عنه بالرجوع إليه فلا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام، ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل، ولا أسرار الفتوحات الإسلامية، ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية، التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرنا والتي ما تزال مشبوبة على ذراري المسلمين -وإن كانوا لسوء حظهم تخلوا عن حقيقة الإسلام ولم يبق منه إلا العنوان- في المعسكرات الشيوعية، والصليبية كلها، في روسيا والصين ويوغسلافية وألبانيا وفي الهند وكشمير، وفي الحبشة وزنجبار وقبرص وكينيا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة .. وذلك فوق عمليات السحق الوحشية البشعة لطلائع البعث الإسلامي وفي كل مكان في العالم الإسلامي، أو الذي كان إسلاميا بتعبير أدق. وتعاون الشيوعية والوثنية والصليبية مع الأوضاع التي تتولى سحق هذه الطلائع، ومد يد الصداقة إليها، وإمدادها بالمعونات التي تبلغ حد الكفالة، وإقامة ستار من الصمت حولها وهي تسحق هذه الطلائع الكريمة ..
إنه قانو حتمي يقرره العليم الخبير (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) هذا هو التقرير الصادق الذي يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر، وعلى فتنة المسلمين عن دينهم بوصفها اهدف الثابت المستقر لأعدائهم. وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل.
إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين، ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين، إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم، فهو من القوة والمتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ ويكرهه كل مفسد. إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج ومن منهج قويم ومن نظام سليم .. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد. ومن ثم لا يطيقه المبطلون والمفسدون، ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه ويردوهم كفارا في صورة من صور الكفر الكثيرة. ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين وتتبع هذا المنهج وتعيش بهذا النظام. وتتنوع وسائل هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواتهم. ولكن الهدف يظل ثابتًا. أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا، وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحا غيره، وكلما كلّت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها.