إن التفوق الحقيقي للجماعة المسلمة على المجتمعات الجاهلية من حولها هو تفوقها في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي وذلك بفضل المنهج القرآني الرباني. قبل أن يكون تفوقا عسكريا أو ماديا. إن أعداء الجماعة الإسلامية دائما أكثر عددا وأقوى عدة، وأغنى مالا، وأوفر مقدرات مادية على العموم. ولكن التفوق الحقيقي يكون في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي، ومن ثم السياسي والقيادي الذي يؤسسه الإسلام بمنهجه الرباني .. وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية. اجتاحها أولا في الجزيرة العربية، واجتاحها ثانيا في الامبراطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله كسرى وقيصر .. ثم بعد ذلك في الجوانب الأخرى سواء، كان معه جيش وسيف أم كان معه مصحف وقرآن. ولولا هذا التفوق الساحق ما وضعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرا.
وإن اجتياح الجاهلية سيتم بهذا القدر دائما حين تتفوق الجماعة الإسلامية في كل زمان وفي كل مكان. تتفوق ببنائها الروحي والخلقي والاجتماعي وم
ن ثم السياسي والقيادي الذي ينشئه القرآن .. هكذا نجد هذا القرآن لا يُعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب. ولا يعلمهم الأخلاق والآداب فحسب. كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين .. إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة، ويعرض كل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية. وإن هذا القرآن لا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج، وإلا فلا إيمان أصلا ولا إسلام .. إن هذا القرآن جاء ليربي الضمائر والأخلاق والعقول. كما أنه يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها وحقيقة دورها وطبيعة طريقها. وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين .. وأن الله عز وجل قد أعلن إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا. فهذا هو الدين .. فسبحانه يقول (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) . وبهذا غدا القرآن عدة هذا الدين فهو كامل. وإن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان، لأنها بشهادة الله شريعة هذا الدين الذي جاب به للإنسان في كل زمان وفي كل مكان. لا لجماعة من بني الإنسان في جيل من الأجيال. في مكان من الأمكنة .. إن الأحكام التفصيلية جاءت لبتقى كما هي ..
والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان، دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان. والله خلق الإنسان ويعلم من خلق. هو الذي رضي له هذا الدين المحتوي على هذه الشريعة. فلا يقول أن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان وأطوار الإنسان .. ويقف المؤمن أمام ارتضاء الله الإسلام دينا للذين آمنوا يقف أمام رعاية الله وعنايته. وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل أو يرفض ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله .. إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها، وحادى طريقها على طول الطريق. وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها وعن جبلتهم.