الصفحة 275 من 306

ليس هناك شهداء إلا الذين يُقتلون في سبيل الله خالصة قلوبهم لهذا المعنى مجردة من كل ملابسة أخرى. وهؤلاء الشهداء أحياء .. لهم كل خصائص الأحياء فهم يرزقون عند الله وهم يفرحون بما آتاهم الله من فضله. وهم يستبشرون بمصائر من ورائهم من المؤمنين. فهذه خصائص الأحياء: من متاع واستبشار واهتمام وتأثر وتأثير. فما الحسرة على فراقهم وهم أحياء فوق ما نالهم من فضل الله وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة ..

وإن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة أمام دعاة هذا الدين وأمام المؤمنين ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور. إنها تُعدل بل تنشئ إنشاء تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها وهي موصولة لا تنقطع. فليس الموت خاتمة المطاف. إنها نظرة جديدة ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين واستقبالهم للحياة والموت وتصورهم لما هنا وما هناك (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) والآية القرآنية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل الله وفارقوا هذه الحياة وبعدوا عن أعين الناس .. أموات .. ونص كذلك في إثبات أنهم أحياء عند ربهم. ومع أننا نحن في هذه الفانية لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح .. إلا أن النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة وما بينهما من انفصال والتئام. وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها. فهؤلاء ناس منا يقتلون وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها ولكن لأنهم (قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ) وتجردوا له من كل الأعراض والأغراض الجزئية الصغيرة واتصلت أرواحهم بالله فجادوا بأرواحهم في سبيله .. لأنهم قتلوا كذلك فإن الله سبحانه يخبرنا في الخبر الصادق أنهم ليسوا أمواتا وينهانا أن نحسبهم كذلك ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده وأنهم يرزقون فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) ..

إنهم أحياء .. فما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة. وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس عن هذه الرحلة إلى جوار الله .. هذا هو الطريق .. تعديل كامل لمفهوم الموت متى كان في سبيل الله وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم. وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة وحيث تستقر في مجال فسيح عريض لا تعترضه الحواجز التي تقيمه هذه الآية الكريمة ونظائرها من القرآن في قلوب المسلمين سارت خطى المجاهدين في سبيل الله. وستسير خطى المجاهدين في سبيل الله في كل زمان وفي كل مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت