الصفحة 278 من 306

ففي أحد مثلا كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الطمع في الغنيمة. وفي حنين كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل .. ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئا من هذا .. نعرفه أو لا نعرفه .. أما وعد الله فهو حق في كل حين .. نعم أن المحنة قد تكون للابتلاء .. ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة هي استكمال حقيقة الإيمان ومقتضياته من الأعمال، فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه جاء النصر وتحقق وعد الله عن يقين .. ويجب أن نفهم أن الهزيمة هي هزيمة الروح وكلال العزيمة .. فالهزيمة في معركة لا تكون إلا إذا تركت آثارها في النفوس همودا وكلالا وقنوطا، فأما إذا بعثت الهمة وأذكت الشعلة وبصرت بالمزالق وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة وطبيعة الطريق .. فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد والله الذي يقول: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) وإنما يشير سبحانه إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر والفكرة المؤمنة هي التي تسود. وإنما يدعو سبحانه الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصورا وشعورا، وفي حياتها واقعا وعملا .. وألا يكون اعتمادها كله على عنوانها. فالنصر ليس للعناوين وإنما هو للحقيقة التي وراءها .. وليس بيننا وبين النصر في أي زمان وفي أي مكان إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك .. ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدة ونستكمل القوة. ومن حقيقة الإيمان ألا نركن إلى الأعداء وألا نطلب العزة إلا من الله .. وعد الله هذا الأكيد يتفق تماما مع حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر .. في هذا الكون إن الإيمان صلة بالقوة الكبرى التي لا تضعف ولا تفنى .. وإن الكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها .. ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون. غير أنه يجب أن نفرق دائمًا بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان ..

إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ثبوت النواميس الكونية ذات أثر في النفس وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل. وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة أن تقهرها. ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر فإن حقيقة الكفر تغلبه إذا هي صدقت مع طبيعتها وعملت في مجالها .. لأن حقيقة أي شيء أقوى من مظهر أي شيء .. ولو كانت هي حقيقة الكفر وكان هو مظهر الإيمان .. إن قاعدة المعركة لقهر الباطل هي إنشاء الحق وحين يوجد الحق بكل حقيقته وبكل قوته يتقرر مصير المعركة بينه وبين الباطل مهما يكن هذا الباطل من الضخامة الظاهرية الخادعة للعيون (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .

والنصر الأخير مرتبط بالنصر الأول. فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير، وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن .. إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية. فإذا ظل الإيمان مظهرا لم ينجسم في القلب، والحق شعارا لا ينبع من الضمير. فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان .. يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس وحقيقة الحق في القلب، فتصبحان أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل، ويصول بها الطغيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت