الصفحة 112 من 306

وإن أهل الكتاب والمشركين لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة من عقيدتها. فهذه العقيدة هي صخرة النجاة وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة. وأعداؤه يعرفون هذا جيدًا، يعرفونه قديمًا ويعرفونه حديثًا. ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة ومن قوة كذلك وعدة. وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين، وحين يعيبهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون زورًا إلى الإسلام جنودًا مجندة لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة، من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعًا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها .. ومن ثم هذا التحذير من القيادة الربانية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) وما كان يفزع المسلم ما يفزعه أن يرى نفسه منتكسًا إلى الكفر بعد الإيمان وراجعًا إلى النار بعد نجاته منها إلى الجنة. وهذا شأن المسلم الحق في كل زمان ومن ثم يكون هذا التحذير بهذه الصورة سوطًا يلهب الضمير ويوقظه بشدة لصوت النذير ..

ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون. هذا هو الطريق .. وليقف أمامه الدعاة (وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) إنه الاعتصام بالله وحده سبحانه الحي القيوم .. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشدد مع أصحابه رضوان الله عليهم في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة كشؤون الزرع وخطط القتال وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي ولا بالنظام الاجتماعي، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان .. وفرق بين هذا وذاك بين. فمنهج الحياة شيء والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر.

والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله، هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة .. روى الإمام أحمد بن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة .. ألا أعرضها عليك قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله وسلم -قال عبد الله بن ثابت: قلت له ألا ترى ما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. قال فسرى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال"والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين"وفي بعض الأحاديث (لو كان موسى وعيسى حيّين لما وسعهما إلا اتباعي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت