الصفحة 113 من 306

هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولا ضير وفق روح الإسلام وتوجيهه من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة علمًا وتطبيقًا مع ربطها بالمنهج الإيماني: من ناحية الشعور بها، وكونها من تسخير الله للإنسان. ومن ناحية توجيهها والانتفاع بما في خير البشرية وتوفير الأمن لها والرخاء وشكر الله على نعمة المعرفة، ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية: شكره بالعبادة وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية .. فأما التلقي عن أهل الكتاب في التصور الإيماني وفي تفسير الوجود، وغاية الوجود الإنساني، وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها. وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضًا .. أما التلقي في شيء من هذا كله فهو الذي تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأيسر شيء منه. وهو الذي حذر الله منه الأمة المسلمة عاقبته وهو الكفر الصراح .. وهذا توجيه الله سبحانه. وهذا هو هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون، فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم عن المستشرقين. وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء ومن الفلاسفة والمفكرين: الإغريق والرومان والأوربيين والأمريكان .. وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة، وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين .. أي دين .. ثم نزعم والله أننا مسلمون، وهو زعم اثمه أثقل من إثم الكفر الصريح. فنحن بهذا نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ. إن الإسلام منهج، وهو منهج ذو خصائص متميزة: من ناحية التصور الاعتقادي ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها. ومن ناحية القواعد الأخلاقية التي تقوم عليها هذه الارتباطات ولا تفارقها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها. فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية .. وما يتناقض مع طبيعة القيادة أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي .. ولخير البشرية جاء هذا المنهج يوم جاء .. ولخير البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا المنهج اليوم وغدًا. بل الأمر اليوم ألزم، والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي انتهت إليها ما تعاني. وليس هناك مُنقذ إلا هذا المنهج الإلهي. الذي يجب أن يحتفظ بخصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى. لقد أحرزت البشرية انتصارات شتى في جهادها لتسخير القوى الكونية، وحققت في عالم الصناعة والطب ما يشبه الخوارق بالنسبة للماضي، وما تزال في طريقها إلى انتصارات جديدة .. ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية؟ هل وجدت السعادة، هل وجدت الطمأنينة، هل وجدت السلام؟ .. كلا .. لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف. والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والجريمة على أوسع نطاق. وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج الله الهادي، وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج (رجعية) ويحسبونه مجرد حَنين إلى فترة ذاهبة من فترات التاريخ .. وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت