الصفحة 110 من 306

لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة وينشئ مجتمعا ويقيم نظاما .. والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع .. والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة وبقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذه المنهج، وتتدرج في مراتبه رويدا رويدا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا. ولقد جاء القرآن بمنهج كامل شامل للحياة كلها .. وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوفق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها. فجاء لذلك منجما وفق الحاجات الحيّة للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها. ووفق استعدادها الذي ينمو يوما بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق. جاء ليكون منهج تربية، ومنهج حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة. أو لمجرد المعرفة. جاء لينفذ حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، وتكليفا تكليفا، جاء لتكون آياته هي الأوامر اليومية التي يتلقاها المسلمون ليعملوا بها فور تلقيها. ولقد حقق للقرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقت وتأثرت به. فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة وكتاب تعبد للتلاوة فحسب، لا منهج تربية للانطباع والتكيف، ومنهج حياة للعمل والتنفيذ، لم ينتفعوا من القرآن بشيء لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت