الصفحة 109 من 306

هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة. فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير. فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله اعتزازا لكرامة الحق. ودفعا لغاية الباطل. على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع فالإسلام دين العدل والاعتدال .. ودين السلم والمسالمة. إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي ولا يبغي (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) . وليس ذلك بعيدا عن دستور الدعوة. فهو جزء منه. فالدفع عن الدعوة، في حدود القصد والعدل، يحفظ لها كرامتها وعزتها. فلا تهون في نفس الناس، والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد، ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها. والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة إلى الله والعزة لله جميعا. ثم هم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم. فكيف ينهضون بهذا كله، وهم يُعاقَبون، فلا يعاقِبون. ويعتدى عليهم فلا يردون؟ ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر. ووقف العدوان في الحالات التي قد يكون العفو فيها والصبر أعمق أثرًا. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها فالقاعدة الأولى هي الأوْلى .. ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال. وضبط للعواطف، وكبت للفطرة فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ) . فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله، والقصاص له بقدره. ويوصي القرآن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي وصية لكل داعية من بعده، ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه. والهدى والضلال بيد الله وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها، واتجاهاتها، ومجاهدتها للهوى أوالضلال، وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنما هو داعية إلى الله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئًا لنفسه .. ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه. ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) . ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون .. هذا هو دستور الدعوة إلى الله كما رسمه الله، والنصر مرهون باتباعه كما وعد الله ومن أصدق من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت