الصفحة 71 من 306

والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى صلى الله عليه وسلم .. هي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار، فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم، أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق، والقائمين على الباطل. فهما منهجان مختلفان .. وطريقان لا يلتقيان. فأما حين يغلبه الباطل بقوته وجمعه، على قلة المؤمنين وضعفهم. لحكمة يراها الله .. فالصبر حتى يأتي الله بحكمه، والاستعداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح وهي الزاد المضمون لهذا الطريق .. إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رُواد هذا الطريق .. فالمحاولات كثيرة التي حاولها المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساومة بالدعوة، ولكن الله عصم منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائما. محاولة إغرائهم لينحرقوا ولو قليلا عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحل الوسط الذي يغرونهم به في مقابل مغانم كثيرة. ومن جملة الدعاة من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينا فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كليا، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.

وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة. فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها، ولو بالتنازل عن جانب منها .. ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل لا يملك أن يقف، عندما سلم به أول مرة. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها. فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل. لا يمكن أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها فاضل ومفضول. وليس فيها ضروري ونافلة. وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه. وهي كل متكامل، يفقد خائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه. كالمركّب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره.

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم. وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها. والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبّت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصرا (( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا، وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا، سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت