إن الانحراف في العقيدة ولو كان ضئيلا، لا تقف آثاره عند حدود العقيدة، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها. فالعقيدة هي المحرك الأول للحياة، لذلك فمحاولات المساومة مع هذا الدين كثيرة للالتقاء في منتصف الطريق كما يفعلون في التجارة، وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير، فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء، لا يطيع فيها صاحبها أحدا، ولا يتخلى عن شيء أبدا .. وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) .
وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان. جاهلية الأمس وجاهلية اليوم. وجاهلية الغد كلها سواء. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر، ولا تُقام عليها قنطرة ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق، إن المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق. الاختلاف في جوهر الاعتقاد وأصل التصور. وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق .. إن التوحيد منهج والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان -مع الوجود كله- إلى الله وحده لا شريك له، ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله، الله وحده بلا شريك، ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية .. وهي تسير .. وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورة للداعية، وضرورية للمدعويين .. إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان، وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلا. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى. واختلاط عقائدها وأعمالها. وخلط الصالح بالفاسد فيها، قد يُغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها، إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد .. وهذا الإغراء في منتهى الخطورة ..
إن الجاهلية جاهلية، والإسلام إسلام، والفارق بينهما بعيد، والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها، والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه .. وأول خطوة في الطريق هي تَميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصورا ومنهجا وعملا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون، إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام .. لا ترقيع .. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق، مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام، أو ادعت هذا العنوان. وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس، شعوره أنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقتهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم، ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة، ولانزول عن قليل من دينه أو كثير. وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .