وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشابهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. والنبي صلى الله عليه وسلم، ولو أنه رسول حفظه الله من الفتنة وعصمه من الناس .. إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف. والله يعلم منه هذا فلا يدعه وحده لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق. وها هو العون والمدد والتوجيه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا) وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة وينبوع حقيقتها، إنها من الله هو مصدرها الوحيد. وهو الذي نزل بها القرآن فليس لها مصدر آخر، ولا يمكن أن تختلط حقيقتها بشيء آخر لا يفيض من هذا الينبوع، وكل ما عدا هذا المصدر لا يتلقى عنه، ولا يستمد منه، ولا يستعار لهذه العقيدة منه شيء، ولا يخلط بها منه شيء.
ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن، وكلف بهذه الدعوة لن يتركها. ولن يترك الداعي إليها. وهو كلفه وهو نزل القرآن عليه. ولكن الباطل يتبجح والشر ينتفش، والأذى يصيب المؤمنين. والفتنة ترصد لهم. والصد عن سبيل الله يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه. فوق إصرارهم على عقيدتهم وأوضاعهم وتقاليدهم وفسادهم وشرهم الذي يلجون فيه، ثم هم يعرضون المصالحة وقسمة البلد بلدين. والالتقاء في منتصف الطريق. وهو عرض يصعب ردّه ورفضه في مثل تلك الظروف العصبية .. هنا تجيء اللفتة الثانية (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) .. إن الأمور مرهونة بقدر الله، وهو يمهل الباطل، ويملي للشر. ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص .. كل أولئك لحكمة يعلمها يجري بها قدره وينفذ بها حكمه (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) حتى يجيء موعده المرسوم. اصبر على الأذى والفتنة. واصبر على الباطل يغلب، والشر ينضج. ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك .. اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق، على حساب العقيدة: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر، ولا إلى خير فهم آثمون كفار، يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر. إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق. وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك، وقد كانوا يدعونه باسم شهوة السلطان، وباسم شهوة المال، وباسم شهوة الجسد: فيعرضون عليه مناصب الرياسة فيهم، والثراء حتى يكون أغنى من أغناهم، كما يعرضون عليه الحسان الفاتنات، حيث كان عتبة بن ربيعة يقول له: (ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ابنتي فإني من أجمل قريش بنات) . كل الشهوات التي يعرفها أصحاب الباطل لشراء الدعاة في كل أرض وفي كل جميل .. (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فإنه لا لقاء بينك وبينهم. ولا يمكن أن تقام قنطرة للعبور عليها فوق الهوة الواسعة التي تفصل منهجك عن منهجهم، وتصورك للوجود كله عن تصورهم، وحقك عن باطلهم، وإيمانك عن كفرهم، ونورك عن ظلماتهم، ومعرفتك بالحق عن جاهليتهم .. اصبر ولو طال الأمد، واشتدت الفتنة، وقوي الإغراء، وامتد الطريق ..