الصفحة 69 من 306

هناك كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية. حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلا. وأن يتعمقوها تعمقًا كاملا، وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة .. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده، وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيرا. فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة. إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة. التي شهدت بها الروايات التاريخية، وحكاها القرآن الكريم في مواضع منه شتى .. كانت المكانة الاجتماعية. والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة وما يتلبس بها كذلك من مصالح مادية .. هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهنة الظاهرة البطلان في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها، ولذائذها وشهواتها، إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأني على العقيدة الجديدة، وما فيها من اتجاهات أخلاقية وقيم رفيعة، لا تسمح بانطلاق الغرائز والشهوات، ولا بالحياة العابثة الماجنة المطلقة من كوابح الأخلاق. وهذه الأسباب سواء ما يتعلق منها بالمكانة والقيم الاجتماعية والسلطان والمال والمصالح، وما يتعلق منها بالألف والعادة، وصور الحياة التقليدية، وما يتعلق منها بالانطلاق من القيم والقيود الأخلاقية. كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى، وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل وهي تمثل العناصر الثابتة معركة العقيدة التي تجمعها معركة عنيدة، لا تنتهي من قريب، وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف .. ومن ثم ينبغي للدعاة إلى دين الله في أي أرض وفي أي زمان أن يعيشوا طويلا في الحقيقة الكبيرة الكامنة وراء قول الله العظيم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) .. وملابسات نزولها على الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي ملابسات معركة واحدة، يخوضها كل صاحب دعوة إلى الله في أي أرض وفي أي زمان ..

لقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم التكليف من ربّه لينذر وقيل له (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ) فلما أن نهض، واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصدّ القوم عن الدعوة الجديدة، وتثير في نفوسهم التشبث بما هم عليه، وتقودهم إلى العناد الشديد، ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم، ومكانتهم ومصالحهم ومألوف حياتهم، ولذائذهم وشهواتهم إلى آخر ما تهدده الدعوة الجديدة أشد التهديد.

وأخذ هذا الدفاع العنيد صورا شتى، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها، بشتى التهم والأساليب كي لا ينضم إليها مؤمنون جدد .. فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها، وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، طرقا شتى من الإغراء إلى جانب التهديد والإيذاء، ليلتقي بهم في منتصف الطريق، ويكف عن الحملة الساحقة عن معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم، ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه، كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق، عند الاختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت