إن الجاهلية هي الجاهلية. ولو عمّت أهل الأرض جميعا، وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلال ولا ضخامة الباطل .. فالباطل ركام، وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء .. كذلك ينبغي أن تستأنف. وقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم. هذه هي الحقيقة الأساسية التي لا يجوز للمسلم الحق أن يجمجم فيها أو يتمتم أمام ضخامة الواقع الجاهلي الذي تعيش فيه البشرية، فلا يحمله ضغط الواقع الجاهلي أن يداهن بشعار أو راية .. إنما يجب أن يصدع بكلمة الحق ولا يخاف من قوى الباطل والجاهلية المتراكمة .. إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم. إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة. وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء. وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل. فإنها كلمة الحق في العقيدة. لا تتملق الأهواء ولا تراعي مواقع الرغبات، إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب. في قوة وفي نفاذ .. وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى .. وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان، وهي القلوب التي قد يطمح صاحب الدعوة في أن تستحيب له لو داهنها في بعض الحقيقية (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .. وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة .. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها. لا المداهنة والملاطفة على حساب كلمة الحق، أو في كلمة الحق. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليست فيها أنصاف حلول.