إن الحق قذيفة في يد القدرة تقذفه به على الباطل فينشق دماغه، فإذا هو زاهق هالك ذاهب (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) هذه هي السنة المقررة. فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود، والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلا. طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له .. يطارده الله ويقذف عليه بالحق فيدمغه. ولا بقاء لشيء يطارده الله، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه. ولقد يخيل للناس أحيانًا أن واقع الحياة يُخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشا كأنه غالب ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب. وإن هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض. وقامت عليه العقائد والدعوات سواء بسواء. والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده. وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه، وفي نصرة الحق الذي يقذف به الباطل فيدمغه .. فإذا ابتلاهم بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم لأنهم فيهم ضعفًا أو نقصا .. وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر. وأن يجعلهم ستار القدوة فيدعهم يجتازون فترة الابتلاء، يستكملون فيها النفص، ويعالجون فيها الضعف .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصر عليهم فترة الابتلاء. وحقق على أيديهم ما يشاء، أما العاقبة فهي مقررة (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) والله يفعل ما يريد.