الصفحة 64 من 306

إن الحق لا يحق، وأن الباطل لا يبطل في المجتمع الإنساني بمجرد البيان النظري للحق والباطل. ولا بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق، وهذا باطل .. إن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس، وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس إلا أن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا.

فهذا الدين منهج حركي واقعي لا مجرد نظرية للمعرفة والجدل، أو لمجرد الاعتقاد السلبي (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) وهذه إشارة من الله لتقرير هذه الحقيقة الكبيرة للدعاة .. هذا الحق الذي يتمثل في تفرد الله سبحانه بالألوهية والسلطان والتدبير، والتقدير في عبودية الكون كله: سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة. ولهذا السلطان المتوحد، وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك .. وهذا الباطل الزائف الطارئ الذي يعم وجه الأرض، ويغشى على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء ..

إن هذا الحق يعلن تحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته ومطادرة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته .. الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، لأنه لم يكن يملك أن يقف كامنا على طول الأمد. لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم. ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد، والمنهج الجديد، والمجتمع الجديد في واقع الحياة. وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها، وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولًا ثم في حياة البشرية كلها أخيرا. وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله ..

إنها عقيدة في أعماق الضمير فرقانا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك. وفي العبادة والعبودية. وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات. ولتنتصر العقيدة على أصحابها أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة. وأن هذا ليس كاملا يُقال إنما هو واقع متحقق للبيان (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) وهذه واقعة بدر فرقانا بين الحق والباطل. فلقد حق الحق وبطل الباطل .. إننا ندرك اليوم ضرورة هذا الفرقان. حين ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين، حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت