هناك حقائق عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز للدعاة الاجتهاد فيها. وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين، وألا يخفوا منها شيئا، وألا يؤجلوا منها شيئا، وفي مقدمة هذه الحقائق: أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا لله. ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله .. فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيا كانت المعارضة والتحدي، وأيا كان الإعراض من المكذبين والتولي، وإيًا كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك.
وليس من الحكمة والموعظة الحسنة. إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه، أو يعرضون بسببه عن هذا الدين، أو يكيدون له وللدعاة إليه. فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئًا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه. ولا أن يبدأوا مثلاُ من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي. متجنبين غضب الطواغيت في الأرض. لو بدأوا من إعلان وحدانية الله والربوبية، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده ..
إن هذا هو منهح الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه. ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه .. فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق وليس له أن ينهج غير ذلك النهج .. والله بعد ذلك متكفل بدينه وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافهم شر الطواغيت. ويوجه الله المؤمنين ليدعوا الله وحده، ويخلصوا له الدين غير عابثين بكره الكافرين (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، ولن يرضى الكافرون من المؤمنين أن يخلصوا دينهم لله، وأن يدعوه وحده، دون سواه، ولا أمل أن يرضوا عن هذا مهما لاطفهم المؤمنون أو هادنوهم أو تلمسوا رضاهم بشتى الأساليب، فليمض المؤمنون في وجهتهم يدعون ربهم وحده، ويخلصون له عقيدتهم ويصفون له قلوبهم، ولا عليهم رضى الكافرون أو سخطوا، وما هم يوما براضين.
والذين يقولون أنهم مسلمون، ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم، هم كأهل الكتاب ليسوا على شيء، والذي يريد أن يكون مسلما، يجب عليه بعد إقامة كتاب الله في نفسه، وفي حياته أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه، وأن دعواهم أنهم على دين يردها عليهم رب العالمين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة ودعوتهم إلى الإسلام من جديد هي واجب المسلم الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان والوراثة دعوى لا تفيد إسلاما، ولا تحقق إيمانا، ولا تعطي صاحبها صفة التدين في أي ملة وفي أي زمان. إن دين الله ليس راية ولا شعارا ولا وراثة ..