الصفحة 62 من 306

إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه .. وليس في ذلك اختيار .. إنها هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات. هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده، وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان. كما يجعل كل عضو مسلم متميع في المجتمع الجاهلي، خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار. ثم تبقى الحقيقة القدرية التي لا ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين. والفصل بينهم وبين قومهم الحق، لا يقع ولا يكون، إلا بعد تميز أصحاب الدعوة، وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم. فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي، ذائبون في أوضاعه، عاملون في تشكيلاته، وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين. وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله وهم واعون مقدرون. وإن طاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق .. وحتى حين يريد الحق أن يعيش في عزلة عن الباطل -تاركا مصيرهما لفتح الله وقضائه- فإن الباطل لا يقبل منه هذا الموقف. بل يتابع الحق وينازله ويطارده ..

ولقد قال شعيب لقومه (وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) . ولكنهم لم يقبلوا هذه الخطة، ولم يطيقوا رؤية الحق ولا رؤية جماعة تدين لله وحده وتخرج من سلطان الطواغيت: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) .. وهنا صدع شعيب بالحق رافضا هذا الذي يعرضه الطواغيت: (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا .. ) ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مفروضة عليهم فرضا، وأنه لا يجديهم فتيلا أن يتقوها ويتجنبوها. فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إن نجاهم الله منها. وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده .. فلا مفرّ من خوض المعركة والصبر عليها وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها وأن يقولوا مع شعيب (عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ.

إن شهادة أن لا إله إلا الله معناها إعلان التمرد على سلطان البشر كافة والخروج من حاكمية العباد جملة، والفرار إلى ألوهية الله وحده، والذي يؤمن بهذه الشهادة يخرج لتوه من سلطان الطواغيت وقيادتها وحاكميتها وينضم إلى التجمع الحركي ويخضع لقادته وسلطانه .. إنه لا خطر على الطاغوت من الاعتقاد السلبي والشعائر التعبدية. إن هذا ليس هو الإسلام، كما يظن بعض الطيبين الخيرين الذين يريدون اليوم أن يكونوا مسلمين. ولكنهم لا يعرفون ما هو الإسلام معرفة اليقين. إنما الإسلام هو تلك المصاحبة للنطق بالشهادتين .. هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه. والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية والعصبة المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت