إن الإسلام حين يدعو الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر وردّه كله لله، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد، كما يدعوهم إلى إنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم .. إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطاغوت تحت رايته بكل ما فيها من تضحيات، ولكنه ينقذهم من تضحيات أكبر وأطول، كما أنها أذل وأحقر .. إنه يدعوهم للكرامة والسلامة في آن.
وعندما يشعر التجمع الجاهلي بوصفه كيانا عضويا واحدا متساندا، بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية. كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له. فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام. إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام والمعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تمامًا للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر. فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة. أو تعدد الأرباب. ومن ثم يدين فيه العباد للعباد. والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد .. ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي لتسلم القيادة منه، وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى عبودية لله وحده.
ولما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح، فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام .. ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام. إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح. ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية للعباد .. وإذا كان هذا شعور الجاهلية يخطر الدعوة الإسلامية عليها، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) . وهكذا يسفر الطغيان عن وجهه لا يجادل ولا يناقش ولا يفكر ولا يتعقل لأنه يحس بهزيمته أمام انتصار العقيدة فيسفر بالقوة المادية الغليظة التي لا يملك غيرها المتجبرون (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) وهنا تتجلى حقيقة المعركة، وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية .. إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها، ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها. فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل. وهذا ما لا تطيقه الجاهلية.
لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم، ولكنهم يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم، وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي، وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه، فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى .. إن التجمع الجاهلي بطبيعة تركيبه العضوي لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده، وطاقته لحساب التجمع الجاهلي ولتوطيد جاهليته. والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدرون الطبيعة العضوية للمجتمع .. هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره ..