الصفحة 60 من 306

وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات حتى يأذن الله. والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به ويصبرون على الأذى فهو معوضهم خيرًا إحدى الحسنين .. النصر أو الشهادة .. وهذا هو طريق المؤمنين. إن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد. لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة .. نقطة المسالمة والتعايش، على أن يترك لمن يشاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء. وأن يدين للسلطان الذي يشاء. في انتظار فتح الله وحكمه بين الفريقين -وما يملك صاحب دعوة أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة. تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت .. وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله وخانه. وإن الذي يعود إلى ملة الطاغوت والجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة لله وحده، والتي يتخذ الناس فيها أربابا من دون الله يقرون لهم بسلطان الله. إن الذي يعود إلى هذه الملة -بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق وهداه إلى الحق وأنقذه من العبودية للعبيد- إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه. شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيرًا فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت. أو مؤداها على الأقل أن لملة الطاغوت حقًا في الوجود وشرعية في السلطان، وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان بالله. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة .. إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت، والدينونة لله وحده -مهما عظمت وشقت أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت. إن تكاليف العبودية للطواغيت مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق. إنها تكاليف بطيئة مديدة. تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته. فهذه الإنسانية لا توجد والإنسان عبد للإنسان. وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟ وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه؟ وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان يهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته؟ وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان. على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة .. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس -في حكم الطواغيت- أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج. كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمقومات والأخلاق والتقاليد والعادات. فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه. ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية .. حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت سواء في صورة الغصب المباشر كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ أو في صورة تنشئهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهبًا مباحًا للشهوات تحت أي شعار. وتمهد لهن للدعارة والفجور تحت أي ستار .. والذي يتصور أن ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه في حكم الطواغيت من دون الله، إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع. إن عبادة الطواغيت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت