والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد! وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية- وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها، باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذين يؤثرون البقاء في الجاهلية، والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها.
إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ) .. إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديًا وشعوريًا. ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها -حتى يأذن الله بقيام (دار إسلام) تعتصم بها- وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي (الأمة المسلمة) وأن ما حولها ومن حولها، ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه، جاهلية وأهل جاهلية. وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين.
فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة ولم تتميز هذا التميز، حق عليها وعيد الله هذا: وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع. شيعة تتلبس بغيرها من الشيع، ولا تتبين نفسها، ولا يتبينها الناس مما حولها. وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد، دون أن يدركها فتح الله الموعود!
إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة السلمة تضحيات ومشقات. غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه. ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها .. ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره. وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم .. لم يقع في مرة واحدة قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة -أي الدين- وانفصالها بعقيدته ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها -أي نظام حياتها- وإن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعًا.
وطريق هذه الدعوة واحد. ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعًا صلوات الله عليهم وسلامه (انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) والله نسأل أن يجعلنا من يُصرف لهم الآيات فيفقهون ..