ومن ثم يحل علينا جزاء المخالفين عن أمر الله ومن هنا نذل ونضعف ونستخذي، ومن هنا نلقي العنت الذي يوده أعداؤنا لنا، وها هو ذا كتاب الله يعلمنا كما علم الجماعة المسلمة الأولى، كي نتقي كيدهم وندفع أذاهم، وننجو من الشر الذي تكنه صدورهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) .. فلنصبر ولنصمد أمام قوتهم إن كانوا ٌأقوياء. وأما مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع. الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل، ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاء لشرهم المتوقع، أو كسبا لودهم المدخول ثم هو التقوى .. الخوف من الله وحده .. ومراقبته وحده. هو تقوى الله فلا نلتقي مع أحد إلا في منهجه، ولا نعتصم بحبل إلى حبله. وحين يتصل القلب بالله فإنه سيحقر كل قوة غير قوته، وستشد هذه الرابطة من عزيمته فلا يستسلم من قريب، ولا يُوادّ من حادّ الله ورسوله طلبًا للنجاة أو كسبا للعزة أو مجاملة للناس .. هذا هو الطريق الصبر والتقوى، التماسك والاعتصام بحبل الله، وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها، وحققوا منهج الله في حياتهم كلها إلا عزوا وانتصروا، ووقاهم الله كيد أعدائهم وكانت كلمتهم هي العليا. وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعداء الدين واستمعوا إلى مشورتهم، واتخذوا من دونهم بطانة، وأصدقاء وأعوان ومستشارين إلا كتب الله عليهم الهزيمة، وأذلّ رقابهم فمن عَمي عن سنة الله المشهودة في الأرض، فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والإنكسار والهوان ..
وأخيرًا لا بد أن ندرك أن تدخل القوة الكبرى، إنما يكون دائمًا بعد المفاصلة. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملة قومهم بعد إذ أنجاهم الله منها. وبعد يصروا على تميزهم بدينهم وبتجمعهم الإسلامي الخاص بقيادته الخاصة .. وبعد أن يفاصلوا قومهم على أساس العقيدة. فينقسم القوم الواحد إلى أمتين مختلفتين عقيدة ومنهجا وقيادة وتجمعا .. عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة، ولتدمر الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين، ولتمكن للمؤمنين في الأرض ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) ولا يكون هذا التدخل أبدًا والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي، عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته، غير منفصلين عنه ولا مُتميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة.
إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم، ثم يزاول هذا الحق فعلًا. إنها الفتنة التي تحمل الناس شيعًا ملتبسة، لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعًا واحدًا. ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدًا لبعض. ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها -لأنها غير مقيدة بشريعة من الله- ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها- لأنها غير مقيدة بشريعة من الله- ويكون بعضهم في نفسه الحق والتربص .. ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض! وهم شيع، ولكنها ليست متميزة ولا منفصلة ولا مفاصلة.