الصفحة 51 من 306

إنها وقفة على مَعْلَم واضح بارز في طبيعة هذه العقيدة، وفي خطها الحركي .. وقفة يجب أن يقفها الدعاة على مفرق الطريق لتكشف لهم معالم الطريق ..

إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين وشيجة فريدة تتميز بها طبيعة هذا الدين، وتعلق بآفاق وآماد وأبعاد وأهداف يختص بها ذلك المنهج الرباني الكريم .. إن هذه الوشيجة، ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن وليست وشيجة الحرفة والطبقة .. إن هذه الوشائج جميعها قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد، كما قال سبحانه وتعالى لعبده نوح وهو يقول (رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) .. (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ثم يبين الله له، لماذا يكون ابنه ليس من أهله .. (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) .. إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) . فأنت تحسب أنه من أهلك، ولكن هذا الحسبان خاطئ. أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك .. وهذا هو المَعْلَم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة.

الجاهلية تجعل الروابط آنًا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة. وتجعلها آنًا هي المصالح المشتركة .. أو التاريخ المشترك .. أو المصير المشترك، وكلها تصورات جاهلية على تفرقها أو على تجمعها، تخالف مخالفة أصيلة عميقة أصول التصور الإسلامي ..

والمنهج الرباني القويم، ممثلا في هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وفي توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه، قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك الأصل الكبير والمعلم الواضح البارز في مفرق الطريق. وقد ضرب الله أمثالًا شتى للوشائج والروابط الجاهلية ليقرر من وراء هذا الأمثال حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يعتبرها .. ضرب الله المثل فيما يكون بين الولد والوالد، وذلك فيما كان من إبراهيم عليه السلام وأبيه وقومه كذلك .. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا، فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا، وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت