إن الدعاة إلى الإسلام أحق الناس أن يثوروا على جاهلية القرن العشرين كما ثار الآباء على الجاهلية القديمة، وأن يتمردوا على المادية العصرية كما تمرد السلف الصالح على مادية عصرهم، وأن يضحوا برفاهيتهم وترفهم وأمانيهم في سبيل الإسلام، وينضموا تحت مواكب الدعاة تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم، الراية التي اختارها الله لهم وأرادهم أن يكونوا جنودها (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) .. وإن العامل الأساسي في نجاح الداعية ليس كثرة علمه ولا قوة بيانه وسحره. ولكن هناك عاملا قبل كل هذه الأمور هو الإيمان بالدعوة التي يدعو إليها، والخوف الشديد مما يعتريها. والشعور بالأخطار التي تحدق بسبب إهمال الدعوة .. ثم يهاجر الداعية إلى الله حيث يترك وراءه كل شيء من ماضي حياته، ويهاجر إلى ربه متخففا من كل شيء من متاع هذه الأرض، طارحا وراءه كل شيء، مسلما نفسه لربه لا يستبقي منها شيئًا. الهجرة من حال إلى حال ومن وضع إلى وضع ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحهمها في النفس شيء .. إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكم ..
والقرآن الكريم هو كتاب هذه الدعوة هو روحها وباعثها وهو قوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها وهو دستورها ومنهجها، وهو في النهاية المرجع الذي يستمد منه الدعاة وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) ... وإن مادة الدعوة منبثة في القرآن الكريم في عدة سور وآيات في مواضع مختلفة وذلك إشارة إلى جليل أثرها وعظيم منزلتها .. ولقد عرف أعداء هذا الدين قديما وحديثا أن هذا القرآن يبعث الروح والقوة والحركة في نفوس أصحابه فيتحركون به فلا تقف لحركتهم قوة الدنيا كلها لأن تلك الحركة تسيرها يد القدرة التي خلقت هذا الكون .. إن هذا القرآن الذي يجهله أهله اليوم لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويذ وتهاويم. بعدما صرفتهم عنهم قرون من الكيد اللئيم، ومن الجهل المزري ومن الفساد الشامل للفكر والقلب والواقع النكد الخبيث .. لقد وقف أعداء هذا القرآن جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة عميقة ينقبون عن أسرار قوته وعن مداخله إلى النفوس ويبحثون كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين .. وكيف يحرفون الكلم عن مواضعه، كيف يحركون هذا الدين من حركة دافعة تحطم الباطل وتسترد سلطان الله في الأرض إلى حركة ثقافية باردة وإلى بحوث نظرية ميتة وإلى جدل فقهي أو طائفي فارغ.