لقد انحرفت المعاني الإسلامية عن سبيلها السوي، وأخذ يعتقد الأكثرون أن أعلى درجات الإسلام هو لزوم المساجد لتلاوة الأذكار والقلوب غافلة غير واعية، وليس هناك اهتمام بجهاد أو تغيير منكر .. لقد أصابنا انحراف في المفاهيم وعدم وضوح في المعاني الإسلامية، وعدم وضوح في الوسائل التي تؤدي إلى هذه المعاني، وإيمان خامد لا يدعو إلى بذل ولا يستثير حماسة .. والآفة الكبرى هي سكوت العلماء منذ عصور خلت عن الجهر بالحق وإعلان أمره إلى الناس وكان نتيجة سكوت العلماء على الطواغيت، ورغبة الحكام في أناس يساقون كالأغنام، ونشوء معان في الإسلام لم تكن موجودة في القرون الأولى التي هي خير القرون، هذه المعاني هي السكوت على الباطل والظلم والانحراف، ولكي يتم هذا السكوت يجب أن يفقد الناس أمرين: أولهما معرفة الحق، والثاني الجرأة على الجهر بالحق. ولذا حرص هؤلاء الحكام على تربية الناس تربية فيها الغموض، وعدم وضوح الحقيقة، وعدم تفتح الأذهان لمعرفتها، والسير في الحياة بلا مبالاة. ولعل هذا الأمر .. عدم وضوح الحقيقة أكبر من الثاني وهو الجرأة على الجهر بالحق، لأن الثاني لا يتم إلا إذا اتضح الأمر وظهرت معالمه وبدت نواحي الخير والشر فيه .. لقد كان الحرص شديدًا من الطواغيت أن يظل الناس في عمي بصائرهم وفي غموض تفكيرهم حتى غدا الإسلام في نفوس الناس دين ذلة واستكانة .. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي (إن أكبر مهمة دينية في هذا العصر، وأعظم خدمة وأجلها للأمة الإسلامية هي دعوة السواد الأعظم للأمة وأغلبيتها الساحقة إلى الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقة الإسلام ... وإن بلاءنا في أقطار الإسلام هو في الجهالة الأليمة الآخذة بخنق الكثرة الغالبة من أجيال المسلمين، وفي الاضطراب الفكري الذي يعانيه الأكثرون .. والمعركة رهيبة .. ولا بد للدعاة إلى الله من أن يستبينوا ملامح المعركة ويميزوا أطرافها وسيسقط في الطريق ضحايا .. ومهمة الدعاة أن يدركوا الطريق كله فيضاعفوا جهدهم ويثقوا بالذي بينهم وبين الله، وأول همهم أن يستزيدوا من الإسلام علما وعملا، ثم أن يلحوا على الناس بالتذكير في غير سأم وألا يبالوا بالضحايا مهما عظمت فإن الهدف كبير. ويجب على الدعاة إلى الإسلام أن لا يبالوا في سبيل الله عدوا، ولا يستكبروا كبيرا ولا يستعظموا خطرا .. إن الدعاة إلى الله هم بقية من ركب الدعوة الأولى تخلفوا عن بدر والقادسية واليرموك وحطين ليأتوا في كهولة الزمان فيعيدوا الإسلام غضا طريا. ويكونوا تتمة للدعوة الأولى التي بدأها الرسول صلى الله عليه وسلم فينخرطون في مواكب الجهاد ويقتحمون الشدائد والبلايا والنكبات فيقطفون ثمار النصر للإسلام .. إن الدعاة إلى الله هم حملة رسالته الأخيرة إلى الدنيا فليستعدوا ليكونوا أئمة الدنيا وسادة العالم .. وليعلم الدعاة إلى الله أن أقصى ما يملك الطواغيت أن يهتكوا منكم البدن. ويجهزوا على اللحم والدم. أما الروح فهي التي لا يملكون سلطانا عليها وهي التي نرجو أن تجعل لله كل خوالجها، وأن تخلص له حبها وبغضها ورجاءها وخوفها حتى تفضي بها إلى الله في اللحظة التي لا يملك غيره تقديمها أو تأخيرها -طاهرة نقية راضية مرضية ..